معترك الإنتخابات القادمة بالصحراء، إستحقاقات سياسية، أم توجهات قبلية و “خيمهلية”؟!!.

الداخلة الرأي:بقلم سعيد المرابط.
– الإنتخابات و تقسيمات الناخبين
لا تكاد تقترب أية إنتخابات، و يدنوا موعدها، إلا و إنقسم الرأي العام الصحراوي، إلى ثلاثة أحزاب، لا رابع لهما؛ حزب يستمد قوته برنامج إنتخابي، و آخر يستمدها من القبيلة، فمجتمع “الوبر”، رغم تمدنه و تقدمه نحو الحضر، إلا أنه لا زال يعود القهقرى إلى زمن “الفركان” و الخيام و السيف اليماني.
و لا زلنا قاصرين سياسيا، كي نعتنق دين البرامج الإنتخابية، و نعانق أقربها للمصلحة العامة. فعقلية إبن العم هي المسيطرة على عقولنا، التي سيطرت عليها العاطفة، و هذه هي صورة الحزب الأول.
أما الثاني و هو شبه المنعدم، فتتجلى صورته في أولئك الذين يؤمنون بمبادئ الأحزاب السياسية في البلاد، بكل مشاربها الأيديولوجية، (اليسارية، الإسلامية، الليبرالية و الرأسمالية إلخ…). و هم أصوات نشاز في اللحن البدوي القبلي. و يسمون حسب معجم “البيظان”، ب”لعذيرات”.
أما الحزب الآخر، الذي لا يهمه سوى ما يسقط من جيب المترشحين، فنظرية المؤامرة تسد منابع النور في عقله، إذ يعتبر جميع السياسيين، لصوصا و تجار مبادئ، و بائعي وهم التغيير للشعب، و يفضل بيع صوته، و أخذ نصيبه من الكعكة مسبقا، بائعا ضميره الغائب أصلا، لرنين الدراهم، قبل أن يباع و يشترى في ذياك السوق، حسب تعبيرهم المقيت.
– صورة الإنتخابات الأصلية
أما الإنتخابات، فلا جدال أنها تلك العملية الرسمية، التي يختيار من خلالها شخص لتولي منصب ما، أو تكون قبول أو رفض إقتراح سياسي بواسطة التصويت، كحال دستور 2011، يدلي في صناديقها كل مواطن، ذكرا كان أم أنثى، شريطة أن يكون مسجلا في القائمة الإنتخابية، مختارا بذلك ناخبا من المنتخبين. و هذا الأخير، يشترط بل و يفرض عليه الدستور، أن يبلغ من العمر وقت الإقتراع ثلاثا و عشرين عاما على الأقل، كما يمنع أيضا، نفس الدستور؛ الترشح لمجلس النواب، على كل من : القضاة و الولاة و الكتاب العامين للعمالات، خلفاء الولات و الباشوات و رؤساء مجالس الولايات، رؤساء الأقاليم و القواد و الشيوخ و المقدمين، و أفراد الجيش وعناصر الأمن بكل أقسامه، “الدرك، الشرطة، و القوات المساعدة”.
-آليات الإقتراع
حسب الدستور المغربي، فالآلية اللازمة لأي إقتراع مغربي أيا كانت طبيعته، هي “القوائم الإنتخابية”، ولا شيء غيرها. آذ تتم مراجعتها كل سنة، من طرف اللجان الإدارية، كما يعتبر التسجيل فيها واجبا وطنيا على كل مغربي، -ذكرا أو أنثى- بشرط أن يكون بلغ من العمر عشرين عاما على الأقل، مع شرط تمتعه بحقوقه المدنية. كما ينبغي عليه أن يسجل؛ في قائمة البلدية، التي يسكن بها، منذ ثلاث أشهر على الأقل، مع استثناء بعض الحالات، التي ينص عليها القانون، كذا وجوب استكماله لشروط التسجيل المدبوجة في نص القانون.
– تعريف آخر بالصحراء، و آليات أخرى
لكن هنا تعريف آخر للإنخاب، و آليات أخرى، فما بين فكي كماشة القبلية و “الخيمهلية”، تسحق آمال و توأد أحلام بلا هوادة. و في عشها المخملي، يفقص بيض سرعان ما تخرج منه فراخ تزقزق، في الوجود السياسي، بما لا تؤمن به، هو فقط جوع السلطة و عطش المناصب ما يجعلها كذلك.
فلقد أقامت القبيلة سابقا، سوقا للمبادئ السياسية، شحنته بالحمية، حمية الجاهلية، فكان الإقتراع غزوا ل”غزية” و كان الناخب منها إن غزت. و لكن ما إن تحط حرب الصناديق أوزارها، حتى ينشد المرشح لحن الصم البكم، و ينشد “أزواننه” طربا، و يحتسي نخب جهل أبناء القبيلة على وقع كؤوس الشاي، و هو يهمس في نفسه، -بكم بعت و بكم اشتريت- و البحر يحاصركم من جنوب و شمأل، فاشربوه لعلكم ترتوون. ساعتها يعود الجمع، “شباب القبائل”، ( فالشيب فقد يقودون “القطيع” تحت تأثير “التحمجي” الذي نخر عضامهم المهترئة )، يعودون إلى صلح قسري فرضه بؤس الحال و قصوته، مع غيرهم من أبناء القبائل الأخرى، و أحيانا لا يعودون، “فالنخوة طبعا لا تسمح بذلك”.
– القبيلة وحدها ليست قياس
ليس بالضرورة أن تكون النزعة القبلية عند مجتمع الصحراء، فقط نزعة الدم، التي تجعل من القرابة متصلة بالأب وحده، و تسير في خط الذكور أو ما يطلق عليه ب”الخط الابوي”، الذي يعتبر الأم و أقاربها أباعد عن القبيلة، أو العشيرة أو الأسرة،
بل هي قرابة تسير أحيانا في الخطين معا، الأموي و الأبوي، أي أن الشخص يعتبر عضوا في عشيرة أبيه، و في عشيرة أمه، و أبناء الطرفين أقارب له، و هذا ما إصطلح على تسميته بقرابة الجانبين أو إن صح التعبير “القرابة الثنائية”. و في حالات عديدة نجد ما يسمى عن الأنتروبولوجيين ب”تبادل النساء”، و يقصد به المصاهرة، نجده حاضرا بقوة في عدة عائلات، إذ تتحول دغمائية النزعة “الدمقبلية”، بحرارة الإنصهار في الأنساب المتعنكبة، من الصلابة إلى السيولة. و هو ما يطلق عليه ب”الخطوط المتعددة”.
– إنتخابات الصحراء غير نزيهة
بعد أن تتوقف عاصفة الصحراء الإنتخابية، عن العصف، و تعود المياه إلى مجاريها، يبدأ العقل مع مرور الوقت في تحليل الوضع العام، و تبدأ الآراء تختلف عن سابق عهدها، إذ سرعان ما يكتشف أن النعرة القبلية لم تكن بالخيار السليم، بل الأدهى أنها كانت وبالا على المصلحة العامة.
ساعتها أيضا لا يمكن لأي أن يسأل المنتخب؛ لا أين الثروة ولا أين ما صنعت يمناك، مما تعهدت به؟!.
و ما يجري في الصحراء زمن الإنتخابات، يدرج أخلاقيا، في خانة إنتخابات غير نزيهة، لا يعاقب عليها القانون للأسف، لأنها جرم في حق الحضارة غير ملموس، لأنها مشروع ولد بكفنه بدل قماطه، يفتقر لأبسط أبجديات التنافس الإنتخاب النزيه. و هذا الأمر هو ما أسس لظاهرة التوريث السياسي، كأن المناصب و الكراسي، كسجادة مشيخة القبيلة، التي يستمد منها المشهد سلطته.
و رغم سوداوية المشهد الكابي، لا زلنا نناغي المستقبل الجبان، آملين أن يكون معترك إنتخابات السابع من أكتوبر القادم بالصحراء، إستحقاقات سياسية، لا توجهات قبلية و “خيمهلية”.



