حقوق الإنسان بالمغرب…مجهودات الدولة و هشاشة المؤسسات

الداخلة الرأي:مقال بقلم كاتب الرأي ابراهيم سيد الناجم
عرف المغرب منذ اعتلاء الملك محمد السادس للعرش انعطافة جديدة على مستوى ملف حقوق الإنسان تمثلت في فتح مجموعة من الملفات الحساسة التي خلفتها إستراتيجية سابقه في التعامل مع الملف الحقوقي من بين هذه الملفات الحساسة كملف الانتهاكات الجسيمة كالانتهاكات الجسيمة في حق مجموعة من المعتقلين السياسيين،و حقوق المرأة،و حقوق الأقليات تحت اشرف هيأة الإنصاف و المصالحة.و التي ستصدر بعد ذالك توصيات وردية إضافة إلى ذالك تم إدخال إصلاحات تشريعية على المسطرة الجنائية وتوقيع مجموعة من الاتفاقيات؛ كاتفاقية مناهضة التعذيب،و اتفاقية القضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة،و اتفاقية حقوق الطفل، واتفاقية حماية العمال المهاجرين وأفراد أسرهم. كما أقر المغرب بحق الضحايا في التعويض وإدخال إصلاحات على قوانين الحريات العامة والصحافة، والجمعيات، والتجمعات العمومية،ليكسب نظرة رضى جل المنتظم الدولي في تلك الفترة ،النظرة التي لم يتمتعها بنشوتها المغرب لفترة طويلة للأسف.
فرغم كل هذه المجهودات التي بذلها المغرب من أجل تحقيق مكاسب حقوقية و تزيين الصورة القاتمة التي عرفت عن المغرب من طرف المنتظم الدولي ،و كذا محاولته بأن تكون هذه المجهودات متطابقة نوعا ما مع باقي التشريعات الدولية، لكن ستصطدم هذه الإصلاحات بالهشاشة و القابلية في التراجع، وما يدل على ذلك أن الإصلاحات لم تتم في إطار سياسة شاملة وواضحة لترسيخ وتعميق الديمقراطية، بالإضافة الى ذالك التهم اليومية التي توجه للمغرب بخصوص تزوير الانتخابات وقمع الاحتجاجات الاجتماعية ومحاكمة قادة نقابين ونشطاء حقوقيين، وعودة سياسة التعذيب (أحداث سيدي إيفني، و أحداث تازة، و كذا احداث بني بوعياش…….) وتوجيه القضاء في القضايا ذات الصبغة السياسية. ناهيك عن تدهور أحوال السجون وهيمنة وزارة الداخلية على حقل المشاركة السياسية، وتفشي الفساد في الإدارة وفي العديد من المؤسسات العمومية.
حقوق الإنسان بالمغرب و مضمون الوثيقة الدستورية
نصت الوثيقة الدستورية الجديد بالمغرب على النهوض بقضايا حقوق الإنسان ،وذلك عبر دسترة الحريات العامة والحقوق الأساسية ،وأن يكون هذا المجال من اختصاص القانون فقط، وضمان كرامة الإنسان ويقع على السلطات العمومية واجب احترامها وحمايتها ويرتبط بهذه الحقوق، الحق في الحياة والسلامة البدنية ومناهضة التعذيب والاعتقال التعسفي والاختفاء القسري وإلغاء عقوبة الإعدام،و حرية التنقل والتعبير، والمساواة بين المواطنين، والتضامن الاقتصادي والاجتماعي، ضف الى ذالك التأكيد على حقوق ووجبات المواطن والحق في المشاركة السياسية، وفي الحصول على خدمات إدارية مريحة وحق تقديم العرائض، ومن الواجبات إلزامية المساهمة في الأعباء الضريبية والواجبات الاجتماعية. وكذا تقوية القضاء وذلك عن طريق الارتقاء به دستوريا إلى مستوى سلطة، كما أقر الدستور مبدأ الحكامة الأمنية بحيث تعد الدولة الطرف الوحيد في المجتمع الذي يستأثر بالحق الشرعي في استخدام القوة والمساءلة أمام المؤسسات الدستورية وبهذا ينبغي أن تحترم الضوابط الشرعية والتي من بينها المحافظة على السلم والقانون والنظام العام و حماية الحقوق والحريات الأساسية واستخدام سلطة الدولة لفائدة المجتمع، حيث يجب أن تتسم بالحيادية السياسية. ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن تكون طرف في الصراع السياسي.
إن ما يدعو للاستغراب والتوجس ، أن يحدث هذا الاصطدام على الرغم من أن الخطاب المغربي المتعلق بحقوق الإنسان قد وجد ترجمته نوعا ما على مستوى النصوص الدستورية في الوثيقة الدستورية الجديدة والتي أفردت بابا خاصا بالحقوق والحريات، لكن كل ذالك لم يشفع للمغرب في القطع مع الممارسات القديمة.
إن المشاكل الجوهرية التي تشكل العقبة للمغرب في النهوض بقضايا حقوق الإنسان تتمثل أساسا في مشكل القضاء الذي يعتبر الأرضية الأساسية لقيام منظومة حقوقية حقيقية، ومن بين المعيقات التي يطرحها القضاء هناك غياب شروط المحاكمة العادلة وعدم الاستقلالية و النزاهة، و تورطه في قضايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بحيث يحتكم إلى عناصر ذات الصلة بالعلاقات السياسية عوض الاعتماد على النصوص القانونية الجاري بها العمل، كما أن المحاكمات في حق المتهمين لا تحترم المعايير الدولية للمحاكمات من خلال الحرمان من الحق ( الاتصال بالمحامي واعتماد بعض الأدلة استنادا إلى مزاعم بالتعرض للتعذيب، ومنع المتهمين من الاستشهاد بشهود الدفاع).
وتعتبر منظمة هيومن رايت ووتش “انتفاء شروط المحاكمة العادلة، واعتبرت أن القضاء لا يقيم وزنا لحرية التعبير كحق يكلفه الدستور”. كما أشارت بعض تقارير أخرى كالشبكة الأوروبية المتوسطية لحقوق الإنسان “تأثير السياسية والفساد وعدم كفاءة السلطة القضائية وغياب الرعاية الصحية في السجون، وعدم احترام مبدأ المحاكمة العلنية، ناهيك عن ضعف التكوين القضائي والقانوني، وإختلالات في التكوين المستمر ومناهج جامعية لا تراعي احتياجات المنظومة القضائية”.الأمر الذي حدا بالبعض إلى القول بكون هذه المؤسسات الوطنية المكلفة بحقوق الإنسان ماهي إلا مؤسسات صورية الهدف منها تجميل وجه الدولة القبيح أمام المنتظم الدولي, وهي من جهة أخرى من حيث إنشائها، محاكاة شكلية لتجارب مقارنة دون مضمون بحيث نجد بعض مفارقات عجيبة ، ذلك أنه بقدر مصادقة المغرب على المزيد من الاتفاقيات والبرتوكولات الدولية لحقوق الإنسان بقدر استمراره في انتهاك الحقوق والحريات بشكل غير مبرر، ضدا على التزامات المغرب الدولية فيما يتعلق بحماية حقوق الإنسان والنهوض بها. و يكفيك دليلا الاطلاع على التقارير الأخيرة التي صدرت عن العديد من المنظمات الدولية ك”هيومن رايت ووتش”و “العفو الدولية” و”الشبكة الأوروبية المتوسطية”… والتي كان أخرها التقرير الأسود الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية.فكلها تقارير اعتبرها المغرب إجحافا في حق المجهودات التي يبذلها و أنها مجرد تقارير كاذبة و مفترية و تعتمد طابع سياسي أكثر مما هو حقوقي.
ومع افتراض وجود رغبة جادة، من منطلق كون الانتصار لحقوق الإنسان هو في حد ذاته انتصار لقيمة المواطن المغربي، فلا بديل إذن عن إرادة سياسية ومساعي وجهود مجتمعية قوية، تتبنى محاولة ترسيخ وتجسيد احترام حقوق الإنسان وطنيا كهدف جاد يحرق المسافات ويشكل قطيعة مع الماضي القريب ويضع قضية حقوق الإنسان على سلم أولوياته، و العمل على بلورة سياسات اقتصادية واجتماعية واضحة الأهداف والأساليب ، توفر الحد المقبول من الكرامة للمواطن، وتضمن له مجموعة من الحقوق من قبيل التعليم ،الشغل ،الصحة ،السكن…



