ابن من راسك.. حين يضع الشعر الحساني حدا لغرور النسب

الداخلة الرأي : بقلم : محمد الصغير
لو اننا اعدنا قراءة القرآن بعيدا عن العصبيات التي صنعها الانسان، لوجدنا ان النص القرآني وضع الاختلاف بين الشعوب والقبائل في سياقه الطبيعي، لا باعتباره سلما للتفاضل، بل وسيلة للتعارف: “وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم”.
واللافت ان الآية قدمت الشعوب على القبائل، في اشارة الى ان الانتماء لا ينبغي ان يتحول الى اداة للتفاضل او الاستعلاء. فالقبيلة ذاكرة وهوية وروابط اجتماعية، لكنها لا يمكن ان تكون معيارا لقيمة الانسان او مواطنته او استحقاقه.
ولم يكن الشعر العربي بعيدا عن هذا المعنى، فقد ظل يحذر من الغرور بالنسب ومن الاتكال على امجاد الاسلاف، مؤكدا ان قيمة الانسان فيما يصنعه لا فيما ورثه.
اما الشعر الحساني، فقد تناول هذه المسألة بوضوح لافت، ومن اكثر الابيات دلالة ما قاله محمد عبد الله ولد البخاري الفيلالي، المعروف بـ”عزري جلوى”:
ابني من راسك لا تعود
تكال على بني جدود
الا ماهي زينة تعود
للي غيرك تفخارك
هذه الطلعة تختصر فلسفة اجتماعية كاملة: لا تجعل نسبك بديلا عن شخصيتك، ولا تجعل تاريخ اجدادك شهادة تفوق مجانية. فالجدود قد يمنحونك الاسم والذاكرة، لكنهم لا يستطيعون ان يمنحوك القيمة التي لم تصنعها انت.
الاعتزاز بالقبيلة ليس عنصرية، كما ان الاعتزاز بالجذور ليس عيبا. لكن الخط الفاصل يبدأ عندما يتحول الانتماء من ذاكرة تجمع الناس الى معيار يقسمهم، ومن رابطة اجتماعية الى سلطة رمزية تمنح البعض حقا في التعالي على البعض الآخر.
والمجتمع الذي يحترم تعدده لا يحتاج الى محو القبيلة، بل يحتاج الى وضعها في مكانها الطبيعي: انتماء من بين انتماءات، لا معيارا للمواطنة ولا سلما للتمايز.
في النهاية، قد يرث الانسان اسما عريقا، لكنه لا يرث تلقائيا قيمة تليق بذلك الاسم. وكما يقول الشعر الحساني: ابني من راسك.
فما يصنع مكانة الانسان ليس من كان اجداده، بل من يكون هو.



