وادي الذهب اسم جميل لخليج تحتاج بيئته إلى علاج عاجل

الداخلة الرأي:بقلم : يوسف وبعلي
إذا صحت الأخبار التي تسربت من قطاع التعمير بجهة الداخلة وادي الذهب، والتي تداولتها بعض المنابر الإعلامية، والتي مفادها وجود أوراش وملفات فساد شابتها خروقات و تجاوزات خطيرة و فاضحة، أهمها تلك المتعلقة بالترامي على الملك البحري لخليج وادي الذهب، وإذا صحت كذلك الأنباء التي تناقلتها بعض وسائل الإعلام حول الهجمة الشرسة الجماعية التي يتعرض لها التنوع البيولوجي لخليج وادي الذهب على العموم و منطقة “بوطلحة” على الخصوص من طرف أصحاب الإطارات المطاطية الذين ينتشرون فوق مياه الخليج ” كالفطريات” ليمارسوا صيدا سريا لأنواع شتى من الأسماك و من ضمنها الاخطبوط في عز راحته البيولوجية، دون حسيب و لا رقيب، بمحمية محرم قانونيا الاصطياد فيها، ويقومون وبتنسيق مع مشغليهم (المافيات) و شركائهم في الجريمة البيئية بتهريب المنتجات السمكية بطرق شتى، فسيكون علينا في هذه الحالة أن نكون صرحاء مع أنفسنا لنقول أن هؤلاء يمثلون خطرا حقيقيا ليس على التنوع البيولوجي لمحمية خليج وادي الذهب فحسب، بل وكذلك على سلامة بيئة “المحمية” بشكل عام التي كانت تشكو من عطب دائم، واضطراب مزمن.
يعتقد بعض الناس أن مفهوم المحمية الطبيعية هو مفهوم حديث وليد اليوم، لكن الحقيقة غير ذلك، فقد عاش الانسان طول حياته تحكمه قوانين الكون حيث انه ولعدة قرون كان صيادو الأسماك في أنحاء كثيرة من العالم يتوقفون عن الصيد في بعض المناطق داخل البحر أو خلال مواسم معينة، وذلك لإعطاء الفرصة للأسماك للتكاثر، وتجنب صيد الصغير منها، إلا أن الانسان كان الكائن الحي الوحيد القادر على تغيير شكل البيئة الطبيعية التي يعيش فيها والتي كانت ملكية عامة مفتوحة أمام الجميع، الأمر الذي أدى الى ضعف الشعور بالمسؤولية حيال المحافظة عليها من التلوث، و هذا ناتج عن ضعف الوعي البيئي لدى الناس. ولما كان الإنسان، فضلا عن العوامل البيئية والطبيعية، له اليد العظمى في إلحاق الضرر بالبيئة و بالثروات التي توجد بها، كان لزاما و جود قوانين تحمي الطبيعة و تحقق التوازن البيئي و خاصة الكائنات الحية المهددة بالانقراض، لذلك كان لابد من وجود مناطق يتم حمايتها من خلال القوانين المفروضة على الانسان للحفاظ على تنوع الكائنات الحية النادرة التي توجد بها، ومن هنا جاء مفهوم المحميات.
يمكن تعريف المحميات الطبيعية على أنها مناطق طبيعية من الأرض أو البحر أو المسطحات المائية ذات حدود معينة تتمتع بالحماية القانونية للمحافظة على تنوعها الإحيائي الحيواني و النباتي من الاستغلال الجائر وغير المعقلن أو التغيرات الطبيعية المدمرة. و تتميز كلها او أطراف منها بخصائص و تنوع إحيائي و جيوفزيائي و جيولوجي، كما تمثل جزء من الأساس المادي للطبيعة و الحياة و كمستودع دائم لموارد اقتصادية او حضارية او جمالية مهددة بالتدهور أو معرضة للإنقراض مما يستدعي الأمر صونها و حمايتها بدرجات متفاوتة و شحذ همم الأجهزة السياسية و المعنية لاتخاذ الإجراءات و التشريعات العلمية اللازمة لذلك. وقد عرف الاتحاد الدولي لحفظ و صون الطبيعة المحميات بأنها ” أي منطقة من البر أو البحر التي تعلن لحماية التنوع البيولوجي او البيئي او التراثي وتدار من خلال وسائل أخرى مؤثرة “.
و يمكن تقسيم المحميات الطبيعية حسب الموقع الى صنفين :المحميات البحرية و هي التي تشمل النطاقات المائية البحرية ومكوناتها الفطرية و البيئية وقد تشغل ضمنا جانبا من اليابس المتاخم لشاطئ النطاق المائي، ثم المحميات البرية وهي التي تشمل نطاق اليابس وما به من كائنات تراثية و أماكن أثرية و بيئات فطرية و موروثات حضارية. كما تنقسم المحميات الطبيعية حسب طبيعتها و الهدف من إنشائها الى عدة أصناف والتي لا يتسع المقام هنا لذكرها من بينها صنف محمية المناطق الرطبة (مثال: خليج وادي الذهب).
يبدو اسم الخليج جميلاً، وكأن شاعراً فحلا اختاره بعناية، ويعتبر خليج وادي الذهب أكبر الخلجان مساحة بجهة الداخلة وادي الذهب بالمملكة المغربية. إذ تبلغ مساحته الكلية 40.000 هكتار، ويمتد الخليج على طول ( 37 كلم – 13.5 كلم) وهو الوحيد من نوعه في شمال افريقيا، ويعتبر المدعم والمحتضن الرئيسي للعديد من الأنواع النباتية و الحيوانية المهددة و المعرضة لخطر الانقراض على المستوى الوطني و العالمي ويتميز بتنوعه البيولوجي الكبير. يتيح الخليج مجالا مثاليا لتكاثر أزيد من 120 نوعا من المحار و41 نوعا من الأسماك، كما يعد أيضا موقعا لعبور الطيور المهاجرة و مكانا مفضلا لتكاثر و تعشيش آلاف الطيور المائية، بالإضافة الى أنه يعد ثاني موقع مفضل من طرف الطيور المائية لقضاء فصل الشتاء بالمملكة، إذ إستقبل الموقع ما معدله 57630 طائرا مائيا في الفترة ما بين 1995-2000، ويعتبر كذلك موطنا لعدد من الثدييات البحرية خصوصا الدلافين، وعليه فليس من الغرابة أن تصنف الداخلة مجالا بحريا للشبكة الوطنية للمناطق المحمية، وهي تعتبر من خلال خليج وادي الذهب، منطقة خاصة تحظى بأهمية بيئية و بيولوجية كبيرة بفضل تنوعها البيولوجي الكبير، وإطارها الطبيعي الجذاب وموقعها الجغرافي الذي لا يُضاهى. وتم تصنيف خليج وادي الذهب موقعا محميا رامسار (RAMSAR) انطلاقا من سنة 2003. وتنبسط على إحدى ضفتيه مدينة الداخلة الساحرة بشواطئها و الزاخرة بمناظرها الطبيعية التي يتوافد عليها السياح وهواة رياضة ركوب الأمواج من كل حدب و صوب ومن كل بقاع دول العالم.
وإذا كانت المعطيات السالفة الذكر أعلاه، تثبث أن الخليج كنز طبيعي فإن الواقع يقول: ان هذا الكنز مهدد بخطر حقيقي، يتمثل في قنوات المياه المستعملة التي تضخ السموم و التلوث في مياه الخليج، الشيء الذي قد سيؤدي إلى انخفاض نسبة الأكسجين بمياهه وبالتالي صعوبة تنفس الأسماك واختناقها، ووجود كذلك وحدات صناعية لتجميد الأسماك بضفافه والتي تصب فيه بدورها مخلفات المواد المستعملة في عملية التبريد و التي لا يمكننا اهمال تأثيرها السلبي على بيئة الخليج، فضلا عن الصيد العشوائي الذي يتم على قدم وساق، ناهيك عن انتشار النفايات الصلبة و الأكياس البلاستيكية على ضفافه، هذا اضافة الى الترامي على الملك البحري لخليج وادي الذهب. الشيء الذي قد يؤدي الى تحولات هامة في المنظومة الإيكولوجية الذي من شأنه التأثير على قيمة الخدمات البيئية و المناظر الطبيعية للموقع.
لا شيء يمكن استخلاصه من هذا إلا درس واحد بليغ فصيح ناصع البيان، وهو أن محمية خليج وادي الذهب أنهك جسدها العبث و التخريب، وأصيبت بداء اللامبالاة و الإهمال وغياب الاستراتيجيات… الأمر الذي يستدعي معالجات جراحية عميقة لجسدها البيئي للحد ولو قليلاً من تدهور تنوعها البيولوجي وبيئتها بوجه عام، ولأجل بلوغ هذه الغاية نقترح وصفة نوجزها فيما يلي: – تكثيف حملات جمع النفايات الصلبة و الأكياس البلاستيكية المتناثرة بضفتي الخليج – الوقف الفوري لعمليات تفريغ مياه الصرف الصحي على ضفاف المحمية – احداث مراكز للمعالجة الأولية للنفايات الصناعية وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة في مختلف المجالات الحضرية – إدارة المناطق المحمية إدارة سليمة – تحقيق درجة من المراقبة البيئية المستمرة للحياة الفطرية، بهدف تفادى الإضرار بها والعمل على حمايتها وصيانتها من خلال تسجيل أثر التلوث المائى والهوائى أو أي استغلال جائر لهذه الأحياء لتجنب تدهورها وانقراضها – استخدام التكنولوجيا الحديثة في مراقبة المحمية للمحافظة على التنوع البيولوجي الذي هو أساس استمرار الحياة و رصيدها الإستراتيجى ولاشك أن استمرارية التوازن الإيكولوجى يعتبر مرتكزاً إستراتيجياً للتنمية المستدامة – الاهتمام بالقضايا البيئية في مختلف مراحل التعليم لتكوين قاعدة معرفية عن البيئة ومشكلاتها وخطورتها – تجسيد البعد البيئي في المخططات التنموية بالمدينة وبرهانات التنمية المستدامة – تشجيع البحث العلمي و الدراسات التي تهتم بالبيئة – تشجيع الاستثمار السياحي للمحمية بالشكل الذي لا يؤثر في مكوناتها الحيوية – خلق أنشطة بديلة لفائدة السكان بدل استنزاف الطبيعة كالصيد العشوائي…
من سوء حظ بيئة محمية خليج وادي الذهب أن المشكلات البيئية المحلية متجددة، إذ كلما انتهت مشكلة وعُرفت أسبابها وطرق علاجها، ظهرت مشكلة أخرى أوسع بعدا و أكثر تعقيدا و خطورة على سلامة البيئة من سابقتها، فما أكثر أخطاءنا في حق البيئة!! لكن ما أجمل بعض تلك الأخطاء التي تفتح الجراح، وتتحول إلى لحظات حاسمة في الانتقال ببيئة الخليج نحو الأفضل، هذا إن كنا جميعا في الموعد طبعا.



