صحافة التشرميل: ظاهرة تشهير و ابتزاز لا حرية رأي وتعبير

مقال رأي :بقلم أحمد نافع
منذ الانفتاح الذي شهدته الجهة بفعل العولمة أصبح فضائنا الافتراضي يعج بالعديد من المواقع الالكترونية وبالعديد من الكتاب الصحفيين ورغم أن الأمر يعتبر زيادة على كونه طبيعيا في مجتمع منفتح فهو يساهم في تعزيز الدور الرقابي لمكونات المجتمع على السياسات العمومية وتقييم أداء المرافق العمومية وتتبع مسار الاستثمار المفترض أن يكون بشكل موضوعي و وفق قيم دولة الحق والقانون بالإضافة لما يمكن أن يطلع به الإعلام من دور نبيل في الإشعاع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للجهة الا ان الملاحظ للأسف أن هذا المجال أصبح من دون تعميم سداحا مداحا لكل من هب ودب وبلغة طابعها التشهير وجوهرها الابتزاز بأنواعه السياسي والاقتصادي والاجتماعي للخاص والعام ,توظف فيه المشاعر والعاطفة إلى ابعد حد ممكن خاصة عند فئة الشباب وبلغ حدا مؤسفا لدرجة يخيل للبعض من سحر مقامات بديع الزمان الهمداني المدنسة من طرف احد أدعياء المهنة بجهتنا انه عين الحقيقة بينما لا يعدوا كونه عملية ابتزاز مكتملة الأركان لا تهتم للقيم الحقيقية لصاحبة الجلالة وتستتر وقاحة خلف حرية التعبير.
إن الصحافة كسلطة رابعة كما يحب للبعض أن يسميها وحثي في اعرق الدول الديمقراطية لها آدابها وأخلاقياتها علي اعتبار أنها وسيلة لمعرفة الأخبار والإلمام بكل ما هو مستجد ,ويمكن تعريف آداب مهنة الصحافة بتلك المجموعة من القواعد والمعايير والسلوكات التي يجب أن ينضبط لها الصحفي في أداء مهامه وغرضها التزام الممارس لهذه المهنة النبيلة حدوده بالشق الموضوعي دون الانتقال الى التجريح او التشويه او الانتقاص من حقوق الأفراد وهذا الكلام ليس موجها للأدعياء طبعا من صحفي فن مقامات ومقالات التشهير ببعض المواقع الالكترونية بجهتنا العزيزة فالمعلوم أن الكتابة بالنسبة لهم عملية ابتزاز.
وفي سياق تنوير صحافة التشرميل بهذه الجهة لعلهم يهتدون من يدري فقد عرف مفهوم أخلاقيات المهنة مخاضا طويلا عبر عدة محطات, فمنذ شكل المهنيون الصحفيون الأمريكيون بولاية تكساس وبالضبط في سنة 1910 أول مبادئ أخلاقيات مهنة الصحافة بإصدار ميثاق شرف يحكم ويضبط عمل الصحافي انطلاقا من حرية التعبير والرأي التي تتوخي عدم المساس بالحرية الشخصية للأفراد وعدم الخوض في أعراضهم و التشهير بهم وقد ذهب في هذا السياق ميثاق الشرف السويدي سنة 1916 ثم الفرنسي سنة 1918 حيث تم بعدها محاولة الربط بين هذه المواثيق من خلال بلورتها في مواثيق ذات طابع دولي في إطار عدد من الاتفاقيات الجماعية , ومن ما سبق تناوله نستطيع أن نعترف بان الحديث عن أهمية هذه الآداب والمبادئ في الوقت الراهن يفرضه التطور التكنلوجي وتنوع وسائل الاتصال والإعلام, إذ أصبحت تحتاج لقراءة مختلفة وتسليط الضوء على جانبها المهني دون إغفال عنصر المتلقي الذي يعد عنصرا شريكا في الإعلام المعاصر .
إن التطور الهائل الذي يشهده العالم الافتراضي اليوم أصبح يلزم العالم وبلادنا لإيجاد طرق واليات تجنبه الآثار السلبية لوسائل الإعلام خصوصا الصحافة الالكترونية لذلك وضع اليوم ما يسمي بأخلاقيات وآداب المهنة ومع أن هذا الأمر كان معمولا به منذ سنة 1910 كما أسلفت فقد شكل مبدءا راسخا لدي الصحافيين الحقيقيين من مختلف مشاربهم باعتباره رقابة ذاتية لا تحتاج لرقابة قانونية بخلاف صحافة التشرميل بالحروف لدي بعض المواقع الالكترونية التي لا تمتلك ضميرا يؤنبها .
ولما كان الانتقال من فكرة إلزامية الأخلاق إلى فكرة إلزامية القانون بخصوص ”آداب وأخلاقيات المهنة”، هو سبب وجيه في اختلال التعاطي مع مهنة الصحافة ومن دون شك، شكل سببا مباشرا في ولوج العديد من غير المتمرسين لمحراب الكتابة والنشر من قبيل مثلا أصحاب مقامات بديع الزمان الهمداني المدنسة والمحرفة ببعض المواقع الالكترونية عندنا بشكل ينافي هذه الأخلاقيات المتفق عليها، بدعوى حرية التعبير والنشر، خصوصا بعد ما وفرته الانترنت من فرص لهم، ليلجوا هذا المجال دون رقيب ولا حسيب.
أيها المتنطعون بالحروف تنطع الموقوذة والمتشدقون بحرية التعبير بجهتنا في ثوب الابتزاز فحتي إعلان ميونخ الصادر سنة 1971 والذي تهيمون به عشقا والظاهر أنكم لم تقرؤوه هذا الإعلان والذي يعتبر مرجعا وإطارا جامعا لكل مواثيق الشرف المعتمدة في الدول الديموقراطية وباتفاق مجموعة من كبريات النقابات الصحفية الأوروبية , نص على أخلاقيات المهنة من خلال واجبات الصحافي والتي تمثلت أساسا في نشر الخبر الصحيح والصادق والجديد دون الحذف منه أو الزيادة عليه أو تزويره كلا أو بعضا حتي لا يتم استغلاله في توجيه المتلقي بدل أن يحدد هو خياراته بنفسه كما يجب أن لا تمس كتاباتهم الحريات الشخصية للأفراد المعنويين أو الطبيعيين، أو يتم التمييز من طرفهم على أساس العرق أو اللون أو الجنس أو الدين أو مكان الولادة…الخ بخلاف ما تصنعون و أما فيما يخص حقوق الصحافي فتتجلى أبرزها وفقا للإعلان المذكور في حقه التحفظ عن ذكر أو الافصاح عن مصادر معلوماته إلا في حالة يحددها القانون الوطني لكل دولة وذلك حفاظا على الأمن العام كما يحق للصحافي أن يعيش وفق ظروف اجتماعية ومادية مريحة ومن مصدر شريف وليس بالابتزاز وللإشارة فان إعلان ”ميونخ” اخذ مختلف بنوده من المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر سنة 1948 والتي وضحتها المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر سنة 1966 بشكل دقيق وفي إشارة قوية لأخلاقيات مهنة الصحافة كما أن دستور بلادنا الذي تصدرت هذه الجهة نسبة التصويت فيه علي افتراض أنكم تعترفون به يتضمن مبادئ تهم حرية الصحافة مع ربطها بالمسؤولية، إذ أن هذه المسؤولية تشكل بوضوح نطاق أخلاقيات مهنة الصحافة والممارسة الإحترافية إن كنتم من أهلها.
وليس من نافلة القول او الفراغ ان التحلي بأخلاقيات مهنة الصحافة النبيلة لم يعد مرهونا بالصحفي ذاته إلا من رحم ربي من أصحاب الضمائر الحية وبات لزاما وضع إطار قانوني يتم به ضبط الممارسة لهذه المهنة لمواجهة ظاهرة صحافة التشرميل كظاهرة للابتزاز والتشهير لا حرية رأي وتعبير وختاما فان مكونات هذه الجهة وعقلائها تقول بطيبوبتها المعهودة لمن يمتهن الابتزاز كمصدر عيش مقيت ويحاول أن يكرسه كسجية لساكنتها وسيفا مسلطا علي كل مستثمر جاد يريد أن يساهم في تنمية الجهة ويجعل من ذلك قضية رأي عام وفق نظريات الاغوار كفي واذهبوا فانتم الطلقاء .



