قطعة قماش

ما هذه الحياة الا سفر متعب كثير المخاطر قليل المتاع. نبدأه بلا شيء وننهيه بلا شيء، فكلنا ولدنا أطفالا وكلنا ميتون. خُلقنا من نطفة ثم صرنا أجنة، نخرج من رحم امرأة عظيمة صغارا بلا عقل ولا لباس، ثم نعود من حيث كنّا بلا زيادة سوى قطعة قماش تُحْكَمُ علينا او حجم اكبر. كل هذه السنوات، كل هذه التجارب، كل هذه المشاكل وكل ما بنيناه نتركه وراءنا آخذين معنا فقط قطعة قماش تغطي أجسامنا التي أتت للوجود عارية. في هذا السفر نسأل الله السلامة مطبات هوائية قوية، رعد وبرق شديدي الهول فضلا عن ريح تُحَتِّمُ وضع حزام السلامة. هذا الحزام هو رسالة ربنا لنا عبر رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم. فواضع الحزام في أمان، لكن هامله أمه هاوية وما ادراك ما هي نار حامية. كَوْني مسافرا ذو تجربة متواضعة جدا احببت ان اعبر عن الرحلة قبل الوصول وفوات الاوان. بدأت رحلتي هذه كالجميع، رضيع لا يتعدى 4 كيلوغرام صغير الحجم ضعيف العقل بريء لا يعرف الأبيض من الأسود. ترعرعت في احضان جدين رحمة الله عليهما يزيد عشقي لهما يوما بعد يوم وأبوين عزيزين. درست الابتدائي ككل الأطفال تعلمت النحو والاعراب، صرت افقه في الحساب وعُلِّمتُ الكثير عن عقيدتي وديني سببا وجودي. مرت السنين وتوالت الأيام صرت رجلا يفقه الحلال من الحرام، الصالح من الطالح والخطر من الأمان. نُصِحْتُ بالابتعاد عن السياسة فابتعدت ليس لانها خطر بل لأنني تعلمت أنه من السياسة في هذا العصر تركها. سمعت ان التشدد في الدين خطر فابتعدت عنه ليس لانه خطر بل لان الوسطية ضد التشدد والوسطية أساس الاعتدال. اُدْخِلْتُ المدرسة صغيرا واُجْبِرْتُ على الدراسة ودرست ليس لأَنِّي مجبور بل لأَنِّي عُلِّمْتُ ان العلم نور والجهل عار. عبر كل هذه المراحل من السفر انظر بمأساة لحال بعض المسافرين معي على نفس الطائرة. كلنا يملك تلفازا او مذيعا او شبكة إنترنت جُلٌّ ما نسمع هو ثلاثون جريحا في قصف درعا، مئة شهيد في فلسطين خمس مئة الف داعشي يدخل ليبيا، مئة الف مفقود مليون بليون ترليون ميت، تكثر الإعداد وتقل قيمة الانسان. اتسائل أتُخيفكم الأعداد ؟ فقد مات ملايير البشر قبلنا ليس في ذلك جديد. لكن ان يموت الانسان علنا مقتولا مغدورا مطعونا بلا رحمة ولا كرامة هو الذي يخيف حتى ولو كان العدد واحدا. السبب أيها السادة، هو ان الانسان اصبح سلعة بخسة مقابل مشاريع ضخمة وأرباح للسلاح حيث يكون فيها البائع هو القاضي.  نسمع عبر الأثير ايضا انه يموت العشرات يوما بعد يوم بسبب مرض الايبولا، ينتشر فيروس السيدا بشكل كبير في العالم الثالث،  90% من الاموات في العالم سببهم السرطان، الهواء ملوث، الماء غير محلول تام، الخضر والفواكه ممزوجة بمواد كيميائية … بطريقة اكثر وضوحا، يا معشر سكان العالم الثالث ، كلوا ما شئتم ، احذروا ما شئتم أنتم مرضى لا محالة وأنتم ميتون. هكذا ايضا صار الانسان سلعة بخسة مقابل مشاريع ضخمة لبيع الدواء. فيُصنع الداء لنشتري الدواء ويأخذوا المال ويبقى الداء. كل يبطش في أخيه من بني جلدته بطريقته الخاصة. فهناك من اخواني المسافرين من يبطش تحت مسمى السياسة. عُلِّمنا ان السياسة هي فن تدبير الشأن العام، لكننا اكتشفنا انها فن التماطل والتحايل على الشأن العام. كلهم يكذبون ينصبون لكن الفائز هو من حيلته اكثر تأثيرا على المواطنين من غيره. هذه الفئة من البشر كلامهم جميل، لباسهم انيق، اسلوبهم رقيق ورومانسي، يعملون على حماية بعضهم البعض و مصالح وممتلكات واستجمام وسعادة المهم فقط هم واليأتي من بعدهم الطوفان. فئة اخرى وهي الاصعب، عملها تقييد البشر. يبيعون الخمر ويحاربون من وُجِدَ مخمورا. يسمونه ماء الحياة (ماحيا) ويحاكمون شاربه. فئة تقيد هي الاخرى لكن اكثر فنا وذكاءا، هم صانعي الانترنت لتسهيل الحياة فعقدوها اكثر، حتى صار الفرح، الحزن، الحيرة، الزواج، الحب والضحك بل كل الحياة عبر الانترنت. هكذا قيدونا اكثر، ولكم ان تروا في حياة اجدادنا حرية غير التي يدعون وراحة غير التي يصنعوا في غرف الماساج ثم سعادة لا يملكها أغنى رجال العالم. تكمن هذه السعادة في قطيع غنم او ماشية من الإبل بين جبال شامخة تحمل على قممها دم شهداء اختاروا جوار ربهم عن هذا العالم المقرف!! أتمنى لكم رحلة طيبة إخواني أخواتي ولاتنسوا ان تربطوا حزام سلامتكم بإحكام.لمام بوسيف





شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...