شرف الدين: هذه هي أهم تفاصيل ميزانية مهرجان الداخلة

في دورته الخامسة، استطاع مهرجان الداخلة السينمائي أن يحقق سمعة طيبة على الصعيد الوطني كأحد المواعد الفنية المنظمة بالصحراء التي تجلب اهتمام وسائل الإعلام الوطنية وحتى الأجنبية، إلا أن هذه السمعة، لم تتحقق دون جدل يرافق حدثاً ينظم بمدينة تعاني بشكل واضح في بنيتها الاقتصادية، وهو الجدل القديم-الجديد عن سؤال الأولويات، وعن ميزانية مثل هذه المواعد الفنية، وعن حجم الاستفادة في مناطق مغربية، في ظل انشطار الآراء بين من يرى في المهرجانات مجرّد هدر لمال عالم يستحق أن يصرف في ميادين أخرى، ومن يؤمن بدور هذه المواعد في تحقيق إشعاع لمناطق معينة، وإخراجها من دائرة العتمة.في هذا الحوار، يتحدث زين العابدين شرف الدين، مدير المهرجان، عن الميزانية التي ينظمون بها هذا الحدث السينمائي، وعن ما يصفها بالإكراهات الكبيرة التي تصادفها إدارته، مجيباً عن أسئلة تتعلق بأسباب نقل المهرجان من العيون إلى الداخلة، وبإصرار إدارته على الاستمرار في نفقات عالية تصل في تذاكر الطيران لوحدها إلى 900 ألف درهم، نافياً ما يتم تداوله عن دخول المهرجان فيما يعرف باقتصاد الريع، حيث دعا أي محاسب إلى التدقيق في الميزانية الكاملة للمهرجان من أجل التأكد من “حجم الديون التي تواجهه”.بداية، ما الذي تهدفون إليه من خلال إقامة هذا المهرجان؟نحن داخل جمعية التنشيط الثقافي والفني بالأقاليم الجنوبية، نؤمن أن التنمية لا تنحصر فقط فيما هو اقتصادي أو اجتماعي، بل تمتد لما هو ثقافي وفني، نظراً لما يقدمانه من منافع لساكنة منطقة معينة. هذا المهرجان يطمح بالأساس إلى تقريب جمهور مدينة الداخلة والأقاليم الجنوبية من السينما ونجومها. فبفضل النجاح الذي لقيته نسخ السنوات السابقة، صار مهرجان الداخلة موعداً سنوياً يمكّن الجمهور من متابعة آخر الانتاجات المغربية والعربية والأجنبية. فضلاً عن أننا نهدف إلى زيادة إشعاع مدينة الداخلة، وتكريسها كإحدى أفضل الوجهات السياحية بالمملكة.ولكن كيف يمكن لمهرجان سينمائي أن يجد مكاناً له في مدينة لا تمتلك أي قاعة سينمائية؟بالفعل، هذا مشكل تعاني منه المدينة، إلا أنه في الجانب الآخر، يعطينا دافعاً بضرورة الاستمرار في المهرجان، لأن جمهوراً محروماً من حق الاستمتاع بالأفلام داخل قاعة سينمائية، يستحق مهرجاناً تُعرض فيه أعمال سينمائية قوية. أعتقد أن المسؤولين بالمدينة واعون بالآثار السلبية لغياب قاعة سينمائية، وقد تحمل السنوات القادمة بشرى لأبناء المدينة، فهناك تفكير جدي بضرورة خلق قاعة سينمائية بـ”الداخلة”.ما السبب في نقل هذا المهرجان من مدينة العيون إلى مدينة الداخلة؟الدورة الأولى نظمناها بـ”العيون”، وكانت ناجحة بشكل كبير، إلا أن والي الإقليم أوقف جميع الأنشطة الفنية والثقافية بعد ذلك لعدة أسباب، منها أساساً تلك المتعلقة بالجانب الأمني، لذلك كان علينا أن نبحث عن وجهة أخرى، وقرّرنا تنظيم المهرجان مؤقتاً بـ”الداخلة”، غير أن جمالية الأجواء هنا، والاهتمام الكبير الذي نجده من المواطنين الذين يحجون إلى جميع العروض، جعلانا نستقر بالمدينة، ونجعل المهرجان لصيقاً باسمها، لدرجة أننا نسينا أن الدورة الأولى تم تنظيمها بمدينة العيون.ولكن تنظيمكم للمهرجان بالمدينة لم يخلُ من مشاكل، ومنها بُعد قصر المؤتمرات الذي تعرض فيه أفلام المسابقة الرسمية عن مركز المدينة؟صحيح، ولكن هذا المشكل ليست إدارة المهرجان هي من تتحمل مسؤوليته، هذا إن جاز أصلاً أن نسميه بالمشكل، لأن مدينة الداخلة تتطوّر بشكل مستمر، ولن يصير هذا المركب بعيداً في قادم السنوات. زد على ذلك أننا قدمنا عروضاً بفضاء ساحة الحسن الثاني لتمكين كل من لم يستطع التنقل إلى المركب من مشاهدة الأفلام بكل يسر.ولماذا لم يتم التفكير مثلاً في عرض الأفلام بدور الشباب بالمدينة؟يجب أن يعلم القراء أن إمكانيات جمعيتنا محدودة للغاية، والدعم الذي نتلقاه غير كاف بالمرة، وهو ما ينعكس على محدودية الطاقم الذي يعمل معنا في هذا المهرجان، فلا يمكننا توزيعه على مناطق متعددة بالمدينة. نحن واعون بهذا الرهان، وسنعمل في المستقبل على شراكات أقوى، تمكّن من تنويع فضاءات العروض.تحدثتم عن نسيانكم لمدينة العيون واقتصاركم على تنظيم المهرجان بـ”الداخلة”، لكن هناك حديث جدي في كواليس المهرجان عن إعادته إلى “العيون”؟فعلاً، هذا الحديث يدور بين أعضاء الجمعية، والسبب هو استياءهم من قلة الدعم الذي نتحصل عليه بـ”الداخلة”، فرغم كل الجهود التي نبذلها من أجل الرقي بالمدينة، إلا أن مجموعة من المجالس المنتخبة لا تدعمنا، وكثير من الأطراف في القطاع الخاص لا تتجاوب معنا. صدقني إن قلت لك إن العروض التي ننظمها في ساحة الحسن الثاني ملقاة على عاتقنا لوحدنا، فباستثناء ولاية الداخلة التي سانتدتنا، الكثير من الجهات الأخرى التي كنا ننتظر دعمها لم تتجاوب معنا.وبصفة عامة، هذا الحديث عن عودة المهرجان إلى “العيون”، يبقى مجرّد غضب وعتاب من أعضاء الجمعية، فالمهرجان سيبقى في مدينة الداخلة، وسيبقى اسمها مصاحباً له على الدوام، فقط على مسؤوليها أن يعووا أن هذا مهرجانهم، وأننا نتعب بشكل حقيقي من أجل إنجاحه.كم تبلغ ميزانية المهرجان؟ميزانية الدورة الماضية وصلت إلى 2 مليون و 75 ألف درهم، 900 ألف درهم تم صرفها فقط في تذاكر الطيران لضيوف المهرجان، فتوغل المدينة في الصحراء يحتم علينا توفير الطائرة لضيوفنا القادمين من مدن مغربية أخرى، زيادة على ضيوفنا القادمين من دول أخرى. تذاكر الطيران ترهق ميزانية المهرجان، ولقد أكملنا نسخة السنة الماضية بديون كثيرة، حيث يمكن لأي كان أن يدقق في حسابات المهرجان التي نقدمها بكل شفافية لكل من يسأل عنها.ميزانية دورة هذه السنة لن تزيد عن نظيرتها الخاصة بالسنة الماضية، فقط ما سيزيد هي نفقات أخرى متعلقة بالعروض في ساحة الحسن الثاني على اعتبار أننا اقتصرنا السنة الماضية على قصر المؤتمرات في كل أنشطة المهرجان، هذا مع استحضار أننا لم نتحصل بعد على أي شيء في هذه السنة. وصراحة أخاف أن يُقصم ظهر هذا المهرجان بسبب هذه الأعباء المادية، حتى مع أدواره الكبيرة في المدينة.كم تبلغ نسبة أجور العاملين من هذه الميزانية؟نحن لا نبتغي الربح المادي وراء تنظيمنا لهذا المهرجان، وحتى إن كان القانون يمكّننا من إدراج رواتب في ميزانية المهرجان لكل واحد من طاقمه، إلا أن لا أحد تم تعويضه في السنة الماضية، والكثير ممّن يتعاونون معنا أبدوا امتعاضهم من عدم صرف تعويضات لهم، خاصة وأنهم بذلوا مجهودات كبيرة طوال شهرين من العمل، لكن في نهاية الأمر، يعود الجميع إلى العمل بعيداً عن الحسابات المادية، فهذا المهرجان ينهل من حبنا للسينما، ورغبتنا في الدفع به إلى الامام، حتى ولو كلّفنا ذلك الاشتغال مجاناً. سندنا في ذلك هذا الجمهور التي يتفاعل مع المهرجان في دوراته.لكن من يشاهد فقرات هذا المهرجان، من استدعاء لمجموعة من النجوم، جودة الفنادق المحجوزة، توفير إدارة المهرجان لوسائل نقل متعددة بشكل دوري، الاحتفاء بالضيوف عبر حفلات عشاء راقية، يعتقد أنه لا يعاني من أي مشاكل مادية؟نعم، فنحن نحرص على سمعة المهرجان، ونعي أن هذا الحدث لا يجب أن يصغر تحت ذريعة الأعباء المادية، فمدينة الداخلة تحتاج إلى مهرجان يعكس أهميتها. صراحة كنا نفكر في التخفيف من بعض نفقات المهرجان، وتداولنا كثيراً في هذا الأمر، لكن في نهاية الأمر قرّرنا الاستمرار في النسق نفسه الذي عرفنا به المتلقي، بل وحتى أكثر من ذلك، لأن طموحنا في تطوير المهرجان يكبر سنة بعد أخرى.كانت مدينة الداخلة تعرف مهرجاناً مهما هو مهرجان “الصحراء والبحر” الذي تم توقيفه تحت مبرّرات أمنية، ألا تخافون من تكرار السيناريو ذاته لمهرجان الداخلة السينمائي؟صراحة أستبعد ذلك، فالجميع يعي أهمية حفاظ المدينة على مهرجانها السينمائي. أما توقيف مهرجان “الصحراء والبحر” الذي كان موعداً موسيقياً هاماً، فهو خسارة كبيرة للمدينة، نظراً لما كانت تستفيده من إشعاع بفضل هذا الحدث. على المسؤولين أن يفكّروا في إعادته، فلا يمكن تنمية مدينة ما بحرمانها من مثل هذه الأنشطة الفنية.لكن هناك اتهامات بدخول مثل هذه الأنشطة الفنية فيما يعرف باقتصاد الريع؟أولا، وكما ذكرتم في سؤالكم الأسبق، فليس هذا هو سبب توقيف مهرجان “السينما والبحر”. ثانياً، وبالحديث عن مهرجاننا السينمائي، فأنا أدعو أي مدقق حسابات في العالم إلى التدقيق في ما نحصل عليه من دعم وما نصرفه، وأنا على ثقة أنه سيستغرب عندما سيجد أننا ننظم حدثاً بهذا الحجم بالميزانية التي ذكرت آنفاً.من هم أبرز الداعمين للمهرجان؟مديرية الجماعات المحلية تمنحنا 60 مليون سنتيم، والمبلغ ذاته يقدم لنا من وكالة تنمية الجنوب، كما يمنحنا المركز السينمائي المغربي 40 مليون سنتيم، فضلاً عن دعم متفرق من جهات أخرى، مذكورة بشكل تفصيلي في وثائق جرد ميزانية المهرجان.ما الذي يمكن للمدينة أن تربحه اقتصادياً من دعم وتنظيم مهرجان كهذا؟لا يجب أن ننسى أن المهرجان يتقصر في تعاونه مع المقاولات المحلية لتزويد المهرجان بما يلزم، كالطبع والخيام والنقل وما إلى ذلك، إذن فهو مناسبة لتنشيط المدينة اقتصاديا. ثانياً الاستمرار في هذا المهرجان لا يعطي نتائج فقط في الجانب الفني والسياحي، بل كذلك على مستوى جلب الاستثمارات. هذه المدينة تزخر بمؤهلات كبيرة تتيح مباشرة مشاريع ضخمة، ومن خلال ما يقوم به المهرجان، ستتسع سمعتها سنة بعد سنة، وأنا متأكد أنها ستصير في السنوات القادمة قطباً اقتصادياً قويا بالجنوب وبالمغرب عموماً.hespress



