التعليم الأولي في العالم القروي والهدر المدرسي وافاق تجاوزه .. بقلم  الد كتور الحبيب مني

الداخلة الرأي :  د. الحبيب مني

 

 

يعرَّف التعليمُ الأولي وفق وثيقة النظام الأساسي بأنه » المرحلة التربوية التي تتكفل بها المؤسسات التي يقبل فيها الأطفال المتراوحة أعمارهم ما بين أربع سنوات كاملة و ست سنوات«، ويرمي بذلك إلى » ضمان أقصى حد من تكافؤ الفرص لجميع الأطفال المغاربة قصد ولوج التعليم المدرسي وتيسير نموهم البدني و العقلي و الوجداني و تحقيق استقلاليتهم و تنشئتهم الاجتماعية«. ويطرح هذا التعريف والأهداف المأمولة جملة من الملاحظات؛ منها،أولا،عدم تحديد المدارس باعتبارها المؤسسات الوحيدة لاستقبال هذه الفئة الخاصة من المتعلمين، وثانيا، تحديد سن ما قبل التمدرس النظامي، و»ضمان أقصى حد من تكافؤ الفرص« ثالثا.

يؤدي التفكير في تحديد سن التعليم الأولي من أربع إلى ست سنوات إلى الاعتقاد في رغبة واضعي النظام الأساسي في استقطاب الأطفال وتشجيعهم على الولوج إلى المدرسة  سواء من باب الجمعيات الخاصة أم الكتاتيب القرآنية في سياق استراتيجية تعميم التمدرس، غير أنه مما لا يخف على أحد، انه يأتي في سياق تطبيق مقررات الميثاق الوطني للتربية والتكوين.

      وأما الملاحظة الخاصة  فتعترف بواقع عدم تحقق تكافؤ الفرص، وأن الغاية القصوى من التعليم الأولي ليست تحقيق التكافؤ التام والشامل للأطفال  وإنما تحقيق حد أقصى من هذا التكافؤ المأمول والمرتجى؛ مما يفيد بصعوبة هذا المشروع في واقع يعتبرفيه العالم القروي خاصة مجالا هشا يعاني من معيقات بنيوية تحد من النهوض به وبعالم الطفولة والتمدرس على وجه التخصيص.

وبالعودة إلى الملاحظة الأولى الخاصة بمؤسسات الاستقبال؛ فهي تومئ إلى ضرورة تعدد مؤسسات تدريس التعليم الأولي وعدم اقتصارها على المؤسسات المدرسية فحسب، خاصة مع عدم قدرة هذه المؤسسات على استقبال  فائض من التلاميذ ذوي الطبيعة الخاصة من حيث  الفئة العمرية وطبيعة المحتوى المقدم لها وطرائق التدريس، إضافة إلى عدم استفادة أغلب أطر التدريس من التكوين الخاص بتدريس هذه الفئة المميزة من الأطفال المغاربة. وعلاوة على ذلك لا تسعف خريطة المؤسسات التعليمية في تغطية كافية تسمح باستفادة كافة الأطفال من خدماتها؛ وهو ما يتأكد بفداحة إذا انتقلنا إلى العالم القروي الذي يُعد تثبيت التعليم الأولي فيه تحديا وطنيا انبرت لرفعه وزارة التربية والتعليم على مدى السنوات الأخيرة.

ومن الملامح الأخيرة لهذا التحدي المشروع المرحلة الثالثة من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي انطلقت السنة الماضية(2019) وستمتد حتى عام 2023، حيث  سيتم بناء وإحداث عشرة آلاف وحدة وإعادة تأهيل خمسة ألاف وحدة جديدة لتوفير خدمات التعليم الأولي في المناطق القروية بطاقة إجمالية تقارب ثلاثمائة ألف طفل، وفي أفق عال لتوسيع هذه التجربة لتشمل كافة التراب الوطني.

ولا شك أن للعالم القروي خصوصياته التي دفعت به نحو مراتب دنيا من سلم التنمية البشرية  ولعل طبيعة التعليم وظروفه تمثيل صارخ على هذا الواقع الهش. وإذا اكتفينا بالجانب التربوي الذي يعنينا في هذه المداخلة أمكن النظر فيه على جملة من مظاهر  الهشاشة والإقصاء والتهميش، ولا أدلّ على ذلك من ظاهرة الهذر المدرسي التي ليست حكرا على العالم القروي بالتأكيد، لكنها علامة فارقة ومميزة له. وهي إذاً ظاهرة ترتبط في مظهرها بالفشل الدراسي والانقطاع المدرسي، وفي جوهرها تتعلق بفشل المنظومة التعليمية في إدماج الطفل  والمتعلم عامة ضمن حياة مدرسية مُقنعة ومُستقطبة ومؤثرة ذات جودة عالية؛ ويكفي إلقاء نظرة على الموقع الالكتروني لوزارة التربية الوطنية لنتبين حجم المأساة وخطورة الظاهرة؛ إذ تفصح الإحصائيات الرسمية التي أجريت سنة 2008 عما يزيد عن ثلاثمائة ألف تلميذ وتلميذة (6-15سنة) ينقطعون سنويا عن الدراسة. 

      وأمام هول هذه الأرقام، يبدو من الملائم التفكير كذلك في سبل وقف هذا النزيف؛ اهتمت الوزارة بإحداث برامج وخطط محدودة في الزمن ومحددة الأهداف وتنفيذها على نطاق واسع للحد من هذا النزيف، ومنها: برنامج  تيسير، ومحاربة الأمية ومدرسة الفرصة الثانية، وتأهيل المؤسسات التعليمية، وبناء مدارس جديدة، والمواكبة التربوية للتلاميذ المتعثرين، والدعم التربوي، والدعم الاجتماعي، ومشروع مليون محفظة الذي وفّر الأدوات ولوازم الدخول المدرسي لملايين الأطفال.

      وبالرغم من طموح هذه المشاريع إلا أن واقع الحال يفيد بأن الهدر المدرسي ما يزال عائقا |أمام كل محاولة للإقلاع بواقع المدرسة علاوة على مثبطات أخرى تضع المدرسة العمومية وحتى المدارس الخاصة الموجهة للطبقات المتوسطة في سياق شامل عنوانه الهدر بمعناه العام: هدر طاقات الإنسان والبلد وهدر الوقت  الذي يعيد دائما إلى المربع الأول، ولعل مآل البرنامج  بيداغوجيا دليل على ارتجالية بعض البرامج وغياب رؤية استراتيجية واضحة ومستمرة للنهوض بواقع التعليم، ناهيك عن غياب منطق المساءلة والمحاسبة الذي يخضع لاعتبارات تصب في السياق السياسي العام.

      وإذا كان من الممكن الحديث عن سبل إنقاد لواقع الهشاشة المتمثل في الهدر المدرسي وفي واقع التعليم عموما في العالم القروي، سواء تعلق الأمر بالتعليم الأولي أم بالتعليم المدرسي الأساسي؛ فمن الضروري التأشير على جملة أسباب تسهم في تفشي ظاهرة الهدر المدرسي، ومنها ما هو اجتماعي مثل تفشي الأمية والفقر في صفوف بعض الأسر مما لا يسعف في ترسيخ دور الآباء التربوي والتوجيهي في البيت، زيادة على الخصوصية الثقافية لغالبية المناطق القروية ، واشتغال الأطفال القرويين ومساعدتهم لآبائهم في أعمال متعددة، واقع لم يعد يخفى على أحد.، علاوة على فشل المنظومة التعليمية وانتشار البطالة على مدى سنوات في صفوف خريجي الجامعات؛ مما اسهم في تشكيل رؤية تجاه المدرسة مدارها اللاجدوى من المدرسة ومن التحصيل العلمي، مع التأكيد على أن هذه النظرة قد خفت نسبيا في السنوات الأخيرة. ولا شك فيه أن ثمة أسبابا تربوية إضافية تتعلق بظاهرة الأقسام المشتركة، والمناهج التربوية، وطرائق التدريس، وغياب إمكانات ووسائل التدريس في المدرسة العمومية، وكآبة المؤسسات التعليمية وضعف بنياتها التحتية، وتشجيع الدولة للمؤسسات الخاصة التي لا تتيح إمكانية تكافؤ الفرص بين من باستطاعته أن يدفع مصاريف الدراسة والفئات المعوزة رغم أن اغلبية هذه المؤسسات الموجهة للطبقات الفقيرة والمتوسطة قد أبانت عن وجهها التجاري والربحي الذي لا يخضع لمعايير بناء تعليم وطني في أقصى المتمنيات، أو على الأقل  »الرفع من جودة التربية و التكوين مثلما وعد بذلك  الميثاق الوطني للتربية والتكوين «. ومن الملائم أيضا على الخصوصية الجغرافية للعالم القروي مضافة إلى خصوصياته الثقافية والاجتماعية والاقتصادية؛ ومنها طبيعة المناخ وانخفاض نسبة الكثافة السكانية.

وفي مواجهة هذا الواقع تعددت وجهات النظر والاقتراحات الخاصة بسبل إنقاذ ما يمكن إنقاده في ظللا الإمكانات المتوافرة والسياق  المؤطر  لهذا الواقع الإشكالي، ومنها إعادة الاعتبار للمدرسة العمومية المعنوي والمادي واعتبارها مؤسسة للإقلاع نحو نهضة حقيقية ترتقي بالمجتمع والإنسان على السواء، ووضع التعليم ضمن أولوية على مستوى الواقع العملي  وتجاوز الآمال نحو الفعل، ومباشرة تنمية حقيقية للعالم القروي ؛ فبدون تنمية شاملة للبنية التحتية للعالم القروي يصعب التفكير في تنمية للتعليم والتمدرس في هذا العالم المهمش والمقصيّ، ومما لا شك فيه بالتأكيد أن جملة الاقتراحات هذه تفضي مرة أخرى باتجاه السياق السياسي وفي الاختيارات الكبرى للدولة  أن تصب في مصلحة البلد والإنسان  عموما وعلى أولوية  اهتماماته: الطفل المغربي: اب الرجل المغربي؛ أي أب الإنسان المغربي ومستقبله إذا سمحتم باستعارة عبارة فرويد ذائعة الصيت.

 



شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...