إعمار الكويرة.. من قندهار المنطقة العازلة إلى “دبي” الصحراء المغربية

الداخلة الرأي : الأيام 24

منذ تحرير معبر الكركرات في نونبر 2020 وتأمين تدفق حركة الأفراد والسلع، بدأت تظهر معالم مشروع مغربي عملاق، لا يوجد على الورق لكن تنزيله يَجري على الأرض، ويروم تحويل المنطقة بين مدينتي الداخلة والكويرة إلى “دبي” شمال إفريقيا، خاصة بعد تمديد الجدار الرملي جنوبا وتعزيز الجيش المغربي لوجوده في 40 كيلومترا مربعا بالمنطقة العازلة للكركرات وبدء تشييد ميناء الداخلة الأطلسي الذي سيكون الأكبر في إفريقيا، وتشييد منطقة لوجستيكية للتبادل التجاري في الكركرات، ثم الحديث المتصاعد عن “إعمار الكويرة”، المدينة الساحرة التي لا يعرف عنها المغاربة شيئا سوى أنها أحد أضلاع الشعار الخالد الذي يُرفع دفاعا عن الوحدة الترابية “المملكة من طنجة إلى الكويرة”.

 

13 نونبر 2020. تاريخ انضاف إلى التواريخ المحفورة في ذاكرة معركة تثبيت مغربية الصحراء. ففي هذا اليوم وضعت مملكة محمد السادس نقطة نهاية لاستفزازات «البوليساريو» في المنطقة العازلة للكركرات، والتي تكررت في السنوات الخمس الأخيرة حتى بلغت مستوى التجرؤ على إغلاق المعبر في 21 أكتوبر بدفعها 50 عنصرا مدنيا ومسلحا من بينهم نساء إلى المنطقة العازلة وقيامهم بوضع حاجز على الجزء المعبد من الطريق، ما تسبب في عرقلة حركة المرور كليا بين الإقليم وموريتانيا. وبعد الإنذار الأول والثاني، تدخلت القوات المسلحة الملكية بحزم، ما نتج عنه فرار الانفصاليين من الموقع وتشييد جدار رملي طوله 20 كيلومترا في الكركرات، جعل الجيش يعزز وجوده على مساحة تناهز 40 كيلومترا مربعا من الأراضي في المنطقة العازلة.

 

كما أجريت أشغال ترميمية في ذلك الجزء من الطريق الذي لم يعبد في عام 2016 (تاريخ إغلاق عناصر من البوليساريو لجزء من المعبر قبل انسحابها بعد إدانة الأمم المتحدة)، بتوصيف تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول الصحراء المنشور في أكتوبر 2021، ما يعتبر تحولا نوعيا أدخل المملكة مرحلة جديدة في تدبير النزاع المفتعل، أحد تحولاته الرئيسية تغيير الجدار الرملي في الكركرات إلى الجنوب قاطعا الطريق أمام «تسلل» البوليساريو للمحيط,

 

خمسة أشهر عن هذه العملية الحاسمة، وتحديدا في 30 أبريل 2021، أعلنت السلطات المغربية عن الفائز في مناقصة لبناء ميناء الداخلة الأطلسي، وهو حاليا قيد الإنشاء، على أن يكون الأكبر في القارة، وذلك بالتوازي مع استمرار العمل في بناء طريق سريع يربط بين تيزنيت والداخلة.

 

وبعدها بثلاثة أشهر (يوليوز 2021)، أعلن بشكل رسمي إطلاق مشروع فريد من نوعه، يتعلق بتشييد مناطق لوجستيكية على مستوى المعبر الحدودي الكركرات ومركز بئر كندوز لتعزيز التبادل التجاري بين المغرب وإفريقيا، وذلك على مساحة 30 هكتارا لكل واحدة وفق أحدث جيل، من خلال إطلاق طلبات عروض متعلقة بأشغال التهيئة، وسط حديث يروج لأول مرة منذ استرجاع الصحراء عن «إعمار الكويرة» وجعلها قطبا سياحيا.

 

وبحسب مصدر حكومي متتبع لملف الصحراء، فإن هذه المشاريع الثلاثة الضخمة ستحول المنطقة بين الداخلة والكويرة إلى «دبي» الصحراء، دون أن ينكر أن ذلك أحد العناصر المفسرة لحالة «السعار في الجزائر» على حد تعبيره.

 

انبعاث الكويرة

 

تحويل جهة الداخلة إلى «دبي» بتعبير مصدرنا، وباستحضار الاستثمار في تنمية المنطقة، يظهر كما لو أن المغرب انطلق رسميا في تقديم جواب جديد على الأطروحة الانفصالية، عنوانها: «التنمية الاقتصادية»، على غرار ما حصل في إيطاليا مع صقلية التي تحولت من مطالبة بالاستقلال في خمسينيات القرن الماضي إلى داعمة للوحدة في التسعينيات بعد أن أصبحت قطبا اقتصاديا قائما.

 

وتتوفر جهة الداخلة على كل المؤهلات لتتحول من صحراء إلى رمال من ذهب، بدءا من شريطها الساحلي بطول 667 كيلومترا على المحيط الأطلسي، فضلا عن بلوغها مرحلة «النضج من حيث جلب المستثمرين»، وفق التعبير الذي استعمله رئيس مجلس الجهة الخطاط ينجا في منتدى الاستثمار المغربي الإماراتي بأبو ظبي الشهر الماضي، والذي يُفسر اختيار الولايات المتحدة الأمريكية الداخلة لإقامة قنصليتها التي مازالت افتراضية بعد اعترافها بمغربية الصحراء في دجنبر 2020.

 

هذه الجاذبية التي حققتها الجهة مَدِينَة بها إلى «النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية» الذي أطلقه العاهل المغربي في الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء، وخصص له أزيد من 77 مليار درهم، حيث بلغت حصتها من هذا السخاء المالي أزيد من 22 مليار درهم، ساهمت في إنجاز عدد من المشاريع الضخمة، أهمها ربطها بالشبكة الوطنية للكهرباء، وتشييد الطريق الوطنية رقم 1 بين تزنيت والداخلة، وبين الداخلة والعيون، وإنعاش السياحة، انتهاء بالمشروع «الحُلم» المتعلق بميناء «الداخلة الأطلسي» الذي سيكون محطة تجارية ولوجستيكية نحو إفريقيا، والذي سيحول الداخلة التي شيدت سنة 1884 في بدايات الاستعمار الإسباني وكانت عبارة عن قرية للصيادين عندما رحل عنها الإسبان عام 1975، حيث كان سكان المنطقة يغلب على حياتهم نمط حياة الرحّل، إلى «عروس الصحراء».

 

الوجه الجميل للداخلة سيزيده بهاء تشييد منطقة التبادل التجاري في الكركرات، ثم إعمار الكويرة الذي يُجمع كثيرون على أنه سيكون «تحولا مفصليا» في ملف الصحراء لوضعيتها الخاصة.

 

ولم تتمكن «الأيام» من الحصول على معلومات رسمية موثقة أو تفاصيل حول مشروع إعمار الكويرة، لكن ظهر واضحا وجود إرادة لفتح هذا الملف الذي ظل مطبوعا بـ «السرية التامة» لاعتبارات شتى، حتى أن «الأيام» تواصلت مع رئيس جماعة الكويرة الاستقلالي عبد الفتاح المكي ووجدت حماسة لدى الرجل عند سؤاله عن الموضوع، حيث قال: «لابد من إعمار الكويرة، ومن جهتي سأفعل كل ما أستطيع، لأن الوقت قد حان لاتخاذ هذه الخطوة»، لكنه لم يُجب على اتصالاتنا لأخذ وجهة نظره وإجراء حوار معه كما كان متفقا عليه.

 

ولطالما نُعِتت الكويرة بمدينة «الأشباح» حيث لا يقطنها أحد ـ وفق الإحصاء العام للسكان لسنة 2014- وتحتفظ بألغاز عديدة، فهي توجد في المنطقة خلف الجدار الرملي على غرار نحو 20 في المائة من تراب الصحراء، والتي وضعها المغرب تحت مسؤولية الأمم المتحدة سنة 1991 لتيسير تطبيق مقتضيات وقف إطلاق النار، لكن المغرب الذي يبسط سيادته الإدارية على كل صحرائه يجعل الكويرة ضمن التقطيع الجماعي، كجماعة حضرية تابعة لإقليم أوسرد، يوجد مقرها في مدينة الداخلة ـ على غرار الجماعات المتواجدة شرق الجدار – وتَنتخب رئيسها في كل استحقاقات انتخابية، ويرأسها حاليا الاستقلالي عبد الفتاح المكي (نائب برلماني أيضا) الذي انتخب في استحقاقات 8 شتنبر الماضية خلفا لزميله في الحزب إبراهيم الخليكي، ويشارك ضمن أغلبية المجلس فضلا عن حزب الاستقلال أحزاب الإنصاف والحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية.

 

قبل الخوض في كيف يتم ذكر «الكويرة» اليوم، لابد من كشف بطاقة تقنية عن هذه المدينة اللغز الواقعة في أقصى الجنوب المغربي والتي تعتبر آخر نقطة من تراب المملكة، وتتمتع بوضع خاص، يجعل أي حديث عنها الآن انفراجا غير مسبوق.

 

وأحد ألغاز هذه المدينة البعيدة عن الداخلة بنحو 700 كلم، والعيون بـ969 كلم، وأكادير بـ1613 كلم، والرباط بـ2227 كلم، أن وحدات للجيش الموريتاني ترابط بها منذ سنة 1975، بهدف تأمين العاصمة الاقتصادية لموريتانيا نواذيبو التي تبعد عنها بـ15 كيلومترا فقط، وكانت هدفا لهجمات عناصر «البوليساريو» في ثمانينيات القرن الماضي، ويدخلها بين الفينة والأخرى بعض الصيادين الموريتانيين وعدد قليل من السياح بترخيص من سلطات مدينة نواذيبو. ورغم أنها خالية من السكان لكنها ليس أرضا خلاء، حيث مازالت بها بعض المباني السكنية المتهالكة المشيدة في عهد الاستعمار الإسباني، فضلا عن بعض التجهيزات الأساسية، ومن بينها مدرسة ومستوصف ومركز للبريد وكنيسة وبنك.

 

لكن الكويرة تمتلك مقومات مدينة ساحرة، فهي تتوفر على شاطئ بطول 40 كلم، تظهر روعته في مقاطع «google maps»، علما أنها كانت قطبا لأنشطة الصيد البحري في الصحراء خلال فترة الاستعمار الإسباني، حيث كان حجم الأسماك المصدرة بها يبلغ 8000 طن سنة 1974 عبر ميناء نواذيبو. وفيما أصبحت العيون المركز التجاري للصحراء بعد بدء استغلال فوسفاط بوكراع سنة 1938 كانت الكويرة مركزا للصيد، خاصة بعد إنشاء معمل لإنتاج «طحين السمك» من قبل أسرة إسبانية كان يجذب عشرات العمال من جزر الكناري والأراضي الإسبانية، حتى أن إحصاء رسميا لسكان إسبانيا أجري سنة 1974 أظهر استقرار 250 إسبانيا وأزيد من 1600 صحراوي من قبائل مختلفة بالمدينة.

 

مخطط وعقبة !

 

التاريخ الحافل للكويرة مع صيد السمك، يبدو أنه سيستأنف كتابة فصوله قريبا، مع تنزيل مشروع إعمارها والذي قد يشمل تشييد ميناء صغير بها، سيكون عنصر جذب للسياح للتمتع بمناخها المعتدل والرطب طوال السنة، والذي يتراوح بين 17 و19 درجة في الشتاء و23 درجة في بقية الفصول، حيث سبق أن أظهرت خريطة نشرتها «القناة الأولى» في نشرتها الرئيسية حول ميناء الداخلة الأطلسي، مجموعة من المواقع المينائية المستقبلية على طول السواحل المغربية، كان من بينها ميناء صغير بالكويرة.

 

ويرى مراقبون أن إعمار المغرب للكويرة بعد تغيير الجدار الرملي يقضي كليا على أي تحرك للبوليساريو في المنطقة ومدينة نواذيبو الموريتانية والتي كانت هدفا مستمرا لمناورات الانفصاليين، خاصة أن المدينة كانت قبلة لتسلل البوليساريو إليها من خلف الجدار الرملي، كما يضع حدا نهائيا لأطماع الجزائر في الحصول على منفذ للأطلسي عبر الصحراء، والتي ظهرت في محطات عديدة، أهمها عام 1975 حين قامت القوات العسكرية الجزائرية بنقل نحو سبعين عنصرا من عناصر «البوليساريو» في شاحنات تحمل لوحات ترقيم جزائرية إلى الكويرة عبر نواذيبو ورفعت علم الانفصاليين فيها، لكنهم لم يمكثوا في المدينة أكثر من شهر بعد اندلاع الحرب بين البوليساريو وموريتانيا.

 

ويروج أن المغرب تصدى بحزم لعناصر من البوليساريو حاولت التسلل إلى شاطئ الكويرة بعد تحرير معبر الكركرات، لكن لم تستطع «الأيام» التأكد من الخبر من جهة رسمية.

 

وفي ظل وضعيتها المعقدة، يصطدم «إعمار الكويرة» مع صخرة نواكشوط التي ترابط وحداتها العسكرية بالمنطقة، خاصة أن هذا الموضوع يتفاعل إعلاميا في بلاد شنقيط، وترتفع أصوات في الداخل الموريتاني بعدم تغيير الوضع على الأرض إلى حين تسوية نهائية تقرها الأمم المتحدة ويقبلها أطراف النزاع، وأخرى تطالب بمراجعة الوضعية القانونية للمدينة بما يضمن سيطرة موريتانيا عليها، علما أن هذه الأخيرة بعثت في السنوات الأخيرة إشارات سلبية للرباط، من خلال حرص جنودها على رفع العلم الموريتاني بها سنتي 2015 و2016، لكن لا يبدو أن أحدا سيوقف الخطوة الحاسمة للمغرب.

 

أشواك في الطريق

 

إعمار الكويرة قرار سيادي للمغرب، لكن تنفيذه يحتاج جهدا وعملا دبلوماسيا للمملكة بجانب العمل الميداني الذي تضطلع به القوات المسلحة الملكية، وذلك بسبب ما يمكن أن يصدر عن نواكشوط التي تَعتبر الكويرة امتدادا لها وغطاء لحماية عاصمتها الاقتصادية نواذيبو، وتخشى من منافستها اقتصاديا.

 

مصدر على اطلاع بهذا الملف، لم يخف أن المغرب يعي جيدا تخوفات موريتانيا، لكنه سيحرص أن يبرهن أن الطريقة التي سيجري بها إعمار الكويرة ستكون في صالح نواذيبو أيضا، خاصة إذا ما تحولت إلى قبلة سياحية.

 

ويعطي ما حصل في دجنبر 2015 صورة عن الصعوبات التي ستعترض المغرب لتحقيق الإعمار الذي سيكون نجاحا باهرا في ملف الصحراء، وعن الحزم الذي ستتعامل به الرباط في حالة اعتراض موريتانيا، حيث تلقت الرئاسة الموريتانية من الخارجية المغربية طلبا حمل طابع الاستعجال يفيد بوجود رسالة غاية في الأهمية لدى وزير الشؤون الخارجية صلاح الدين مزوار أنذاك يريد نقلها إلى الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز شخصيا، دون الكشف عن تفاصيلها.

 

أحدث هذا الطلب ارتباكا لدى رئاسة نواكشوط التي كانت علاقاتها مع المملكة متوترة، خاصة بعد أن تبين لها أن «مزوار» لن يكون بمفرده خلال لقائه الرئيس، بل سيكون ضمن وفد يتشكل من كبيري المخابرات الخارجية والقوات المسلحة الملكية.

 

لكن الاستعجال الذي عبرت عنه القنوات الدبلوماسية المغربية لم يترك للسلطات الموريتانية هامشا آخر سوى التفاعل إيجابا وبشكل سريع مع الطلب المغربي. ولم تمض سوى ساعات حتى كان الرباعي المغربي صلاح الدين مزوار وياسين المنصوري مدير الدراسات والمستندات (المخابرات الخارجية) والجنرال بوشعيب عروب المفتش العام السابق للقوات المسلحة الملكية وسفير المملكة في نواكشوط عبد الرحمان بن عمر يجلسون أمام الرئيس ولد عبد العزيز الذي استوعب من تركيبة الوفد المغربي، حتى قبل بداية الاجتماع، أن الرسالة المنقولة إليه لن تكون «سياسة محضة». وقد كانت الرسالة عبارة عن طلب لتفسير خطوة رفع العلم الموريتاني في الكويرة.

 

لم يتلق الوفد المغربي تفسيرا مُقنعا، بعدما تحجج الرئيس الموريتاني بأن بلاده من تتولى إدارة الكويرة والمحافظة على الوضع القائم فيها، لكن الوفد المغربي نقل الرسالة «الصارمة» حرفيا وغادر دون التوصل إلى اتفاق، ليستمر التوتر بين الرباط وموريتانيا ولد عبد العزيز.

بعد أشهر قليلة من هذا الاجتماع، عادت نواكشوط إلى رفع علمها فوق الكويرة قبل أن تزيله في أعقاب دفع القوات المسلحة الملكية تعزيزات إلى الجنوب ورفع درجة التأهب.

منذ تلك الفترة لم يَرد ذكر الكويرة إلا في سياق ترديد الشعار الخالد «من طنجة إلى الكويرة» الذي أطلقه الملك الراحل الحسن الثاني بعد المسيرة الخضراء، والمتداول شعبيا ورسميا عند كل تعبئة تهم قضية الوحدة الترابية للمملكة الشريفة.

 

للكويرة مجلس جماعي وباشوية!

 

رغم أن عشرين في المائة من الصحراء المغربية توجد خلف الجدار الرملي وفارغة من السكان والإدارات والأنشطة الاقتصادية والخدمات الاجتماعية، إلا أن التقطيع الترابي يشملها والذي أفرز عددا من الجماعات الحضرية والقروية أغلبها في جهة الداخلة وادي الذهب، خاصة في إقليم أوسرد، على رأسها جماعة الكويرة.

 

وعلى غرار باقي الجماعات الترابية، فإن للكويرة مجلس جماعي وميزانية وباشوية، ويتم انتخاب مجلسها الجماعي في كل استحقاقات انتخابية جماعية من طرف السكان المنتسبين للمدينة بالداخلة وباقي الأقاليم الصحراوية.

وأفرزت انتخابات 8 شتنبر عن انتخاب مجلس جماعي جديد، وعادت رئاسته إلى الاستقلالي عبد الفتاح المكي الذي ظفر حزبه بالأغلبية المطلقة بـ9 مقاعد من أصل 16 مقعدا، فيما عادت أربع مقاعد للحركة الشعبية ومقعدين للتقدم والاشتراكية ومقعد لحزب الإنصاف، علما أن المنتخبين يتوزعون بين 68.75 رجال و31.25 نساء.

وتتشكل جماعة الكويرة من 11 دائرة، لكنها حققت واحدة من أكبر نسب المشاركة بـ85.97 في المائة، مرتفعة بشكل كبير عن نسبة المشاركة الوطنية التي استقرت في 50.86 في المائة.

ورغم حصول حزب الاستقلال على الأغلبية المطلقة فإن مكتب المجلس تشكل من كل الأحزاب الممثلة، ففي الوقت الذي عادت الرئاسة إلى الاستقلالي عبد الفتاح المكي، عادت النيابة الأولى لمرشح حزب الإنصاف الحسين أهل حماد، والنيابة الثانية لميمونة بزيد عن حزب الاستقلال، والنيابة الثالثة لمرشح حزب الحركة الشعبية احمادي حبيب الله، والنيابة الرابعة لسكينة الغزي من الاستقلال، فيما انتخب الحركي إبراهيم أخل بوبكر كاتبا للمجلس وأم المؤمنين ياسين من التقدم والاشتراكية نائبة لكاتب المجلس.

 

ولم تتغير الخريطة الانتخابية في الكويرة كثيرا، فقد كانت أفرزت في انتخابات 2015 أيضا فوز الاستقلال بتسعة مقاعد من أصل 15 المخصصة في ذلك الوقت، بينما آلت ثلاثة للتجمع الوطني للأحرار، ومقعدان للعدالة والتنمية ومقعد واحد للأصالة والمعاصرة، وحينها بلغت نسبة المشاركة 80.46 في المائة مقابل 53.76 في المائة المسجلة وطنيا، وفي تلك الفترة تشكل المجلس من تحالف بين حزبي الاستقلال والعدالة والتنمية، حيث عادت الرئاسة إلى الاستقلالي إبراهيم الخليكي، والنيابة الأولى والثانية والثالثة للاستقلاليين عبد اللطيف الجدوالي والحسين أهل حماد، وداودي فتوح على التوالي، فيما عادت النيابة الرابعة للبيجيدية أمينة بارك الله، وكتابة المجلس ونائبه للاستقلاليين مبارك مونزيد وأم المؤمنين ماغة.

 

وصفة تشييد «دبي الصحراء» و17 مليار دولار في الميزان

 

تشييد دبي شمال إفريقيا، مسار طويل بدأ مع إقرار «وصفة» تنمية منطقة الصحراء التي حملت اسم «النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية» من طرف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في أكتوبر 2013، والتي استهدفت مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي في الأقاليم الصحراوية الثلاثة خلال السنوات العشر المقبلة، مع خلق 120 ألف فرصة عمل جديدة، وتخفيض نسبة البطالة إلى النصف بالنسبة للشباب والنساء، وزيادة الاستثمارات العامة والخاصة.

 

واحتاج تفعيل هذه الوصفة إلى استثمار مبالغ مالية ضخمة قدرت قيمتها بـ140 مليار درهم غيرت وجه المنطقة كليا، خاصة من خلال تكتل اقتصادي بحري ومخطط لشبكات الربط قائم على تطوير طرق سيارة ناقلة للطاقة الكهربائية وبناء الطريق المدارية الساحلية وطريق الصحراء، ودعم شبكة الموانئ والنقل البحري والجوي، وإحداث قاعدة للإعداد الرقمي للمجال الترابي وقواعد لوجستيكية وتجارية، وأخيرا من خلال بناء ميناء الداخلة الأطلسي وتشييد مناطق للتبادل التجاري في الكركرات وإعمار الكويرة.

 

ولمعرفة قيمة الـ140 مليار درهم التي تمت تعبئتها على مراحل لهذا المشروع الضخم الذي يغير وجه الصحراء، يكفي المقارنة بينها وبين الموازنة العامة السنوية للمملكة، فإنها تمثل 30 في المائة من المداخيل العادية للمملكة المتوقعة في 2022، و26 في المائة من مجموع نفقات الدولة المتوقعة، و94 في المائة من كتلة الأجور للسنة المقبلة.

 

ويظهر من خلال تصفح حجم المشاريع المنجزة، أن المغرب يريد أن يضرب عصفورين بحجر واحد، فهو من جهة يريد تغيير وجه الأقاليم الجنوبية، ومن جهة أخرى يراهن على عدم جعل مواطني الصحراء رهينة المسار الأممي الجامد، وعزل تنمية المنطقة عن حل النزاع القائم في الإطار الأممي.

 

وأخذ مسار تحويل الصحراء إلى أقاليم جاذبة للاستثمار والسياحة زخما أكبر في نونبر 2015، بإطلاق استراتيجية تنفيذ النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، برئاسة الملك محمد السادس، تنفيذا لرؤية 2015/2025، حيث أعلن آنذاك عن تخصيص غلاف مالي بقيمة 77 مليار درهم لتمويل جزء من المشاريع التي يتضمنها النموذج الجديد. كما ترأس الملك، ثلاثة أشهر بعد ذلك (فبراير 2016) مراسيم إطلاق برنامجي تنمية جهتي «الداخلة وادي الذهب» و»كلميم واد نون» في الصحراء، بغلاف مالي قدره 29 مليار درهم، ضمن نفس الخطة الواسعة لتنمية الصحراء بقيمة استثمارية تقارب 140 مليار درهم (نحو 17 مليار دولار) على مدى عشر سنوات.

ويستند النموذج على ركائز رئيسية، تتمثل في إحداث أقطاب تنافسية قادرة على خلق دينامية جديدة للنمو وخلق فرص الشغل الكافية خاصة بالنسبة للشباب والنساء، وتعزيز التنمية المندمجة وتثمين البعد الثقافي بالاستناد على الحكامة المسؤولة في إطار الجهوية المتقدمة، وتكريس ثقافة حقوق الإنسان لتعزيز الثقة وترسيخ الديمقراطية، وضمان التنمية المستدامة وتحسين شبكات الربط بين الأقاليم الجنوبية وباقي ربوع المملكة من جهة، والدول الإفريقية جنوب الصحراء من جهة أخرى.

ويهدف النموذج إلى إعادة هيكلة محركات النمو والتنمية وفق برنامج لدعم القطاعات الإنتاجية (الفوسفاط، الفلاحة، الصيد البحري، السياحة الإيكولوجية).



شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...