ميناء الداخلة الأطلسي.. موقعه المقابل لقناة بنما سيجعله مركز جذب للسفن التجارية العملاقة

الداخلة الرأي: جريدة الصباح

موقعه المقابل لقناة بنما سيجعله مركز جذب للسفن التجارية العملاقة

قفزة اقتصادية كبرى يراهن عليها المغرب, بتشييد ميناء الداخلة الأطلسي، فإلى جانب موقعه الإستراتيجي، وقربه من موانئ مهمة للصيد والمسافرين، ستتحول الأقاليم الجنوبية إلى منارة اقتصادية، والأهم الدخول إلى الاقتصاد العالمي من الباب الواسع عبر الهيمنة على التجارة البحرية. وسيمكن ميناء الداخلة، المغرب من مصالحة ماضيه الجميل المشرق، إذ منذ قرون يعد حامي طرق التجارة والملاحة البحرية بإفريقيا، وسيساهم إلى جانب معبر الكركرات في المزيد من تعزيز روابط المغرب مع كل الدول الإفريقية.

 

بعد الانتهاء من أشغال تشييد ميناء الداخلة الأطلسي، سيصبح المغرب أول دولة إفريقية تملك البحر، واجهة على البحر الأبيض المتوسط من خلال ميناء طنجة المتوسطي، وواجهة على المحيط الأطلسي، ما سيحول المغرب إلى مركز جذب للسفن التجارية العملاقة، وسيعطي ذلك دفعة قوية للاقتصاد الوطني.
سيبنى الميناء الأكبر، بمنطقة “نتيرفت”، التابعة للجماعة القروية “العركوب”، التي تبعد عن الداخلة بـ40 كيلومترا شمالا، بكلفة تقديرية حددت في 10 ملايير درهم، بعد دراسات وخبرات استغرقت أزيد من خمس سنوات. وستكون هندسة الميناء على شكل جزيرة، سيتم ربطها بالبر عبر قنطرة يبلغ طولها ستة كيلومترات، ويتكون المشروع من 660 مترا من الأرصفة المخصصة لرسو السفن التجارية الضخمة بعمق 16 مترا، و1800 متر من الأرصفة بعمق يصل إلى 12 مترا، بالإضافة إلى رصيف للخدمات بطول 100 متر، ورصيف بترولي بعمق 16 مترا.
ويتكون الميناء من ثلاثة أجزاء، الأول مخصص للسفن التجارية، والثاني للصيد البحري، والثالث لأوراش إصلاح وصيانة السفن.

الكركرات الطريق نحو إفريقيا

بإعلان المغرب عن بناء ميناء الداخلة الأطلسي، راجت أخبار أنه بهذا القرار ينوي التخلي عن الطريق البرية بالكركرات، وأن تصدير السلع نحو إفريقيا سيكون عبر البحر، سيما بعدما تورطت عناصر من مرتزقة بوليساريو في عرقلة حركة نقل السلع والبضائع والأشخاص بين المغرب وإفريقيا عبر هذا المعبر لمدة تزيد عن 20 يوما.
وفي هذا الإطار، نفى علي بوطيبة، أستاذ الاقتصاد بجامعة محمد الخامس بالرباط، بشكل قاطع نية المغرب التخلي عن طريقه البرية نحو إفريقيا، في حال بناء ميناء الداخلة الأطلسي، والدليل حسب قوله، أنه بعد أسبوع من الخطاب الملكي في ذكرى المسيرة الخضراء، تدخلت القوات المسلحة الملكية لفتح المعبر وطرد عناصر بوليساريو، وشرعت في بناء جدار أمني جديد لمنع المرتزقة من التسلل إلى هذا الموقع التجاري، والأكثر من ذلك تم الشروع في تعبيد طريقين جديدين للرفع من حركة التجارة البرية.

وبهذا يؤكد بوطيبة أن التجارة البرية ستواصل نشاطها بشكل عاد، وسيحافظ من خلاله المغرب على علاقته التجارية مع إفريقيا، سيما الدول التي لا تتوفر على واجهة بحرية، في حين أن الهدف الاستراتيجي لميناء الداخلة الأطلسي، هو الحفاظ على العلاقة المتميزة مع أقطاب الصناعة العالمية، في إشارة إلى أمريكا وأوربا والصين، وبالتالي دخول المنطقة الجنوبية في خارطة الملاحة البحرية الدولية. ويوضح أستاذ الاقتصاد أن التبادل التجاري بين الأقطاب الصناعية الكبرى، يتجاوز 90 في المائة، وأن أي دولة صاعدة، من بينها المغرب، ملزمة بالبحث عن مكانة لها بين هؤلاء الأقطاب، لهذا يراهن المغرب بقوة بعد بناء ميناء الداخلة، إلى جانب ميناء طنجة المتوسطي، على ضمان حصة مهمة من المعاملات التجارية الدولية، رغم أن المغرب ظل مرهونا اقتصاديا لسنوات عديدة بأوربا.

جلب الاستثمارات

كلف تطور وسائل النقل دوليا، خصوصا على مستوى الملاحة البحرية، الشيء الكثير للمغرب، رغم موقعه الإستراتيجي القريب من أوربا وأمريكا، إذ لم تعد اليد العاملة المغربية تغري كبريات الشركات العالمية، رغم أنها يد عاملة مشهود لها بالكفاءة والخبرة، ويشهد على ذلك تطور قطاع صناعة السيارات والتجهيزات الخاصة بالطائرات وغيرها، وصار رهان الشركات على تصنيع منتوجاتها بآسيا وبعض الدول الإفريقية بسبب الأجور الزهيدة لليد العاملة بها.
يوضح علي بوطيبة هذه المسألة أكثر، بالقول إن كلفة إحضار حاوية من الصين إلى أوربا أو أمريكا تقدر بـ3000 دولار، في حين أن ثمن نقلها من المغرب لا يتجاوز 2000 دولار، في البداية يؤكد الخبير، يظهر أن ميزان المنافسة يميل إلى المغرب، لكن في الواقع أن الشركات الكبرى العالمية ستفضل التعامل مع الصين على حساب المغرب، لسبب بسيط أن بهذا البلد الآسيوي موانئ متطورة قادرة على استقبال سفن تجارية عملاقة، وتشهد رحلات بحرية يومية، على نقيض المغرب، الذي يكتفي برحلتين أو ثلاث رحلات بحرية أسبوعية، إضافة إلى أن المغرب مجرد محطة عبور في خريطة الملاحة البحرية، وليس مركزا رئيسيا لرسو السفن التجارية العملاقة.

الداخلة وقناة بنما

اختيار الداخلة لبناء ميناء ضخم وفي هذا التوقيت، ليس خطة عشوائية من قبل الحكومة، بل بناء على دراسة راهنت على الموقع الإستراتيجي للمنطقة والمستجدات التي ستشهدها الملاحة البحرية على مستوى العالم.
ويعلق الخبير الاقتصادي علي بوطيبة على أن اختيار الداخلة دون أكادير أو آسفي لبناء الميناء، يعود إلى أن موقع الداخلة يقابل دول أمريكا اللاتينية، خصوصا قناة بنما الشهيرة.
وأضاف الخبير أن توقيت بناء الميناء، سيتزامن مع قرار الحكومة البنمية توسيع القناة، حتى تستوعب مرور السفن التجارية العملاقة، التي كانت تضطر للرسو بميناء “سان فراسيسكو” بالولايات المتحدة الأمريكية المطل على المحيط الهادي، قبل توزيع حاوياتها على سفن متوسطة، تتولى نقلها إلى باقي البلدان مرورا عبر القناة الشهيرة.
وأشار الخبير إلى أن المغرب يراهن بقوة على نهاية بناء ميناء الداخلة الأطلسي مع أشغال توسعة قناة بنما، إذ سيسمح للسفن الكبيرة بالمرور من القناة نحو باقي دول العالم، وبالتالي عدم التوقف بالميناء الأمريكي، مبرزا أن هذه الرحلات من قناة بنما ستكون وجهتها أولا ميناء الداخلة الأطلسي قبل مواصلة الرحلة نحو باقي دول العالم، لهذا يؤكد الخبير الاقتصادي أن مشروع ميناء الداخلة يشهد منافسة ضارية من قبل دول إفريقية، قررت بناء موانئ مشابهة، لاستقبال السفن التجارية العملاقة.
بناء ميناء الداخلة، بداية مرحلة القطع مع موانئ المناولة، بحكم أن بعض الموانئ المغربية لا تتوفر على عمق يسمح برسو سفن تجارية عملاقة، فتضطر الأخيرة إلى التوقف بموانئ كبيرة ومن ثم توزيع حاوياتها على سفن متوسطة لنقلها إلى باقي الموانئ.
ويبرز علي بوطيبة أن ميناء الداخلة، سيكون للتفريغ والشحن، إذ سيستوعب ناقلات حاويات عملاقة، والتي ستوزع على أوربا وإفريقيا وبلدان البحر الأبيض المتوسط.

قوة بحرية

أكد الخبير الاقتصادي علي بوطيبة أن بناء ميناء الداخلة الأطلسي، سيحول الأقاليم الجنوبية إلى منطقة متكاملة في مجال الملاحة البحرية، بحكم أن العيون بها ميناء مهم خاص بالصيد والتجارة وطرفاية ميناء للمسافرين، وبالتالي سيتمتع جنوب المغرب، حسب الخبير، بـ”استقلالية المناطق الاقتصادية”، في إشارة إلى أن المغرب يولي أهمية كبيرة لتنمية هذه الأقاليم وفق رؤية واضحة ومتكاملة، وهو الأمر، الذي أثار غضب مناوئي الوحدة الترابية للمغرب والذين يسعون جاهدين لإفشال هذه المشاريع.
صحيح أن الميناء الجديد بالداخلة، سيشهد منافسة شرسة، يقول بوطيبة، إذ على بعد 600 كليومتر فقط، يوجد ميناء نواذيبو بموريتانيا، الذي يراهن بقوة على استغلال موقعه الإستراتيجي وإغراء الشركات البحرية الكبرى، إلا أن الخبرة المغربية في المجال البحري، ستكون الفيصل، لأنها تضاهي خبرات الدول الكبرى، إضافة إلى أن تسيير الموانئ الموريتانية تتخلله مشاكل عديدة، على رأسها الرسوم المرتفعة المفروضة على السفن، وبالتالي فالشركات الكبرى ستفضل ميناء الداخلة، بحكم الإمكانيات التي سترصد له، ما سيسمح له بتغطية النشاط التجاري البحري ليشمل سواحل موريتانيا وجزر الكناري وباقي الدول الإفريقية المطلة على البحر.



شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...