ثقافة الحرق

الداخلة الرأي:بقلم زكرياء أيت عبد المجيد

إقدام شاب في الثلاثين من عمره، يعمل ربانا في مركب للصيد الصناعي، على حرق نفسه داخل مندوبية الصيد البحري بالداخلة، يؤشر على تنامي ثقافة دخيلة على المجتمع، وانحراف في الفهم، واعوجاج في مسطرة التعامل بين الإدارة والمواطن!
فأمام انسداد الأفق أمام خالد الذي عمل ربانا في الصيد الصناعي قبل أن يغرق مركبه في حادث عرضي ما تزال زوجة هذا الأخير تطرح حوله علامات استفهام! وتؤكد أن زوجها تعرض لضغوطات وتهديدات من قبل مالكي المركب لتزوير حقائق مهمة حول الحادث؟
 كما تعرض لتماطل من قبل الإدارة في استصدار وثائق عمل جديدة حسب نفس الرواية!
هذه السلسلة من الأحداث المتتالية، والاحتجاجات التي لم تجد على مايبدو الآذان الصاغية، دفعت الرجل للتفكير في أسوء الحلول وهو إضرام النار في نفسه أمام الملأ، وإخضاع جسده للتعذيب بطريقة تعيد للأذهان حادث حرق البوعزيزي لنفسه بتونس في العام 2011، والتي خلفت أحداثا متسارعة انتهت بثورة الياسمين واسقاط نظام بن علي.
وحتى لو استدعينا قاموس التبرير في مثل هذه الحوادث،  وحاولنا البحث عن مصوغات تبيح لأي مواطن وضع نفسه أمام معادلة “الانتحار” مقابل “الخبز” لوجدنا أنفسنا أمام اعوجاج كبير في فهم الواقع، والقدرة على التعاطي من اكراهاته وتحدياته، فكيف يعقل أن يقرر الشخص وضع حد لحياته أو العيش بعاهة مستديمة كرد على ظلم مسه، أو تعب في الحصول على عمل أو وظيفة ؟
لا يمكن لعاقل اليوم أن يبرر انتشار الثقافة البوعزيزية في مجتمعاتنا مهما كانت درجة الاحتقان والاحساس بالحكرة التي تطال شريحة واسعة من المجتمع لسبب بسيط، هو أن سياق تونس بنعلي ليس هو المغرب؟ ولأن المجتمع المغربي لا يتعاطى بشكل كبير مع مثل هذه الممارسات رغم التعاطف اللحظي الذي قد يبديه بعض الناس، وهذا يحيل على مرجعية فكرية دينية في إقدام الشخص على قتل نفسه انتحارا و”الإلقاء بها التهلكة”!
ثم كيف يقبل الانسان التضييق على نفسه في الكسب، ووضع رزقه ورزق أبنائه في يد الناس، في حين أن الرزق بيد الله، والمطلوب هو العمل من أجل تحصيله؟ وهذا لا يعني الخضوع للظلم أو التعسف، بل يجب على من لحقه ذلك سلك المساطر القانوينة لاسترجاع حقوقه، في إطار المؤسسات…
لكن في المقابل، هذا لا يعفي الدولة وكل المتدخلين من مسؤولياتهم، لماذا كل هذا التماطل والتجاهل والصمم في التعامل مع مطالب المواطنين؟ ماذا كان سيخسر المسؤولون لو تركوا قنوات التواصل مفتوحة؟ وقاموا بتوجيه من يقصدهم لقضاء مصلحته للوجهة الصحيحة؟
ثم أين دور القضاء في التعجيل في حل المنازعات وإعطاء كل ذي حق حقه؟ وكيف يمكن للمسجد والأسرة والإعلام أن يساهم في الحد من تنامي هذه الثقافة الدخيلة التي تهدد التماسك الاجتماعي، وتضرب في الصميم ثقة المواطن في مؤسسات الدولة، وحقه الطبيعي في العيش الكريم.
زكرياء أيت عبد المجيد
إعلامي



شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...