القضاء الاداري يعيد قضية جهة الداخلة إلى المربع الأول

الداخلة الرأي:بقلم مراد محمد لمين

قضت المحكمة الادارية للاستئناف بمراكش يوم الأربعاء 25 يناير المنصرم في ملف ما بات يعرف ب”طعن جهة الداخلة وادي الذهب” بتأييد الحكم المستأنف عدد 797 و الصادر عن المحكمة الادارية الابتدائية بأكادير في قضية الطعن المرفوع من طرف السيدة عزوها شكاف من أجل إلغاء القرار السلبي الصادر عن وزير الداخلية  بعدم البت في الطعن المقدم من طرف المشتكية حول عدم أهلية السيد الخطاط ينجا لممارسة مهامه كرئيس للمجلس وفق أحكام المادة 72 من القانون 111.14 المتعلق بالجهات بمبرر الاقامة ببلد أجنبي.

و قد ارتأيت منذ البداية التريث في التعليق على هذا الحكم إلى حين اتضاح الرؤية، و إذ أؤكد هنا أن هذه القراءة القانونية المتواضعة لهذا الحكم لا يجب أن يفهم منها أنها تهدف إلى الانتصار لهذا الطرف أو ذاك ، و لكن هي محاولة لفهم السيناريوهات المحتملة لما بعد حكم المحكمة الادارية للاستئناف بمراكش.

قضية جهة الداخلة وادي الذهب و التي عمرت في دهاليز القضاء الاداري للمملكة لما يناهز السنة ، حيث يعود تاريخ تسجيل و إيداع مقال الدعوى لدى المحكمة الادارية الابتدائية بأكادير إلى  13 يناير 2016، عرفت الكثير من الشد و الجذب بين أطراف هذا الملف ، فضلا عن ما رافقه من سجال قانوني و اعلامي  حول ما إذا كان الحكم يتصل بقضية المركز القانوني للسيد رئيس الجهة.

و لأن القاعدة الذهبية في “القضاء هي أن القاضي لا يقضي بعلمه”، فقد كان جواب المحكمة الابتدائية بأكادير و رسالة وزير العدل واضحتين و صريحتين من الناحية القانونية و لم يتم فهمهما جيدا من طرف الجميع.

إذ أن قضية البت في إقامة الرئيس ببلد أجنبي من عدمها لم تكن في أي وقت موضوعا للنقاش أو مطروحة للتقاضي و البت فيها من طرف قضاة المحكمة الادارية و التي لا تعنيها في شيء ، ما دام أن الطعن المعروض على أنظار الهيئة القضائية لا يدخل في دائرة المنازعات الانتخابية التي يحكمها القانون التنظيمي رقم 59.11 المتعلق بانتخاب أعضاء مجالس الجماعات الترابية.

و أن القضية برمتها تدخل في مجال قضاء الإلغاء و تفسير المادة الجديدة بقانون الجهات و المرتبطة بشرط الاقامة، هذه المادة التي تعتبر اختصاصا أصيلا للسلطة الحكومية المكلفة بالداخلية، حيث نصت صراحة أنه: ” لا يجوز أن ينتخب رئيسا أو نائبا للرئيس أعضاء مجلس الجهة الذين هم مقيمون خارج الوطن لأي سبب من الأسباب. يعلن فورا بقرار للسلطة الحكومية المكلفة بالداخلية بعد رفع الأمر إليها من قبل والي الجهة ، عن إقالة رئيس المجلس أو نائبه الذي ثبت بعد انتخابه أنه مقيم في الخارج“.

فعلى ماذا استندت الطاعنة في طعنها؟

و للتذكير فقط فإن قضاء الإلغاء يعتبر من الاجتهادات القضائية التي جاء بها القضاء الاداري المغربي لضمان حقوق المرتفقين من المواطنين ضد تعسف الادارة بالطعن في القرارات الادارية المتخذة من طرفها ، و يعتبر الأستاذ يوسف الصواب القاضي المقرر في هذه القضية من القضاة المغاربة الذين توسعوا في هذا الباب و لديهم العديد من الاجتهادات بعدد من الأحكام القضائية بقضايا مشابهة.

و عليه فإن المواد التي تم الاستناد إليها في هذه القضية فتتمثل في المادة 360 من قانون المسطرة الادارية و المادة 23 من القانون 41.90 المحدث بموجبه محاكم إدارية.

حيث تعطي هذه المواد  لكل مواطن الحق في تقديم طلبات إلغاء القرارات الصادرة عن السلطات الادارية بسبب تجاوز السلطة داخل أجل ستين يوما تبتدئ من نشر أو تبليغ القرار المطلوب إلغاؤه إلى المعني بالأمر.

و حسب نفس المقتضيات القانونية الواردة بالمواد السالفة الذكر يعتبر التزام السلطة الادارية الصمت إزاء التظلم المرفوع لها بمثابة رفض، و هي الحالة التي تنطبق على الطعن المقدم من طرف عزوها شكاف حيث يعتبر عدم إبداء أي جواب أو رد من طرف السيد الوالي و كذا وزير الداخلية إزاء الطعن المقدم من طرفها بمثابة رفض للطعن.

و يتضح من خلال ما سبق أن الكرة الآن في مرمى وزارة الداخلية و هناك تفسيران لما يمكن أن تقدم عليه وزارة الداخلية في تعاطيها مع حكم محكمة الاستئناف بمراكش في ملف قضية الجهة و القاضي ب:

“إلغاء القرار السلبي لوزارة الداخلية مع ما يترتب عن ذلك قانونا”

السناريو الأول: تفسير صمت الادارة على أنه رفض لطعن الطاعنة، و بالتالي فإن إلغاء القرار السلبي يعني ضمنيا قبول طعن الطاعنة و القضاء بإقالة رئيس الجهة من منصبه ما دام أن المادة 72 عامة و فضفاضة حيث تحدثت عن الاقامة خارج الوطن لأي سبب من الأسباب.
السيناريو الثاني: تفسير حكم المحكمة على أنه دعوة لوزارة الداخلية من أجل إعادة النظر في طعن الطاعنة و البت فيه من خلال إجابتها حول ما تدعيه من إقامة للرئيس خارج الوطن.و خلاصة القول أن التعاطي مع الحكم الأخير للمحكمة الإدارية للإستئناف بمراكش في ملق قضية طعن الجهة من طرف البعض بنوع من اللامبالاة و التبسيط يحمل في طياته الكثير من الجهل بالمقتضيات القانونية. فوزارة الداخلية التي يجب أن تقدم القدوة في إحترام القانون هي اليوم في وضع لا تحسد عليه في التعاطي مع ملف حساس و في ظرفية سياسية أقل ما يقال عنها أنها استثنائية. لكن مما لا شك فيه أن تفسير المادة 72 من القانون 111.14 المتعلق بالجهات يبقى اختصاصا حصريا للسلطة الحكومية المكلفة بالداخلية بعد رفع الأمر إليها من قبل والي الجهة، و هي من يمسك حقيقة بكل خيوط اللعبة و لديها حل هذه الأحجية.



شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...