لعرب سؤالاً شكسبيرياً‎

الداخلة الرأي:عبد الحميد الجماهيري

يستعيد المثقفون العرب ما قاله الشاعر نزار قباني، وهو يتساءل عن متى يعلنون وفاة العرب، في صيغة شكسبيرية، ويتساءلون: “نحن العرب، أنكون أو لا نكون؟” وليس في السؤال من صيغة أخرى، سوى أن يتولى ويليام شكسبير، الخبير بتراجيديات الأفراد، تحويل سؤال وجودي جماعي إلى إشكالية تاريخية، مبنية على وجود كيان فوق الطبقات والمجتمعات والأجناس اسمه العرب.
لنكن واضحين، ونقول إن السؤال أن نكون أو لا نكون، (to be or not to be)، في مطلق الشك الشكسبيري، لا يطرحه المثقفون العرب، ومنهم أسماء كبرى تحضر منتدى أصيلة المغربية الدولي المنعقد الآن حول الموضوع نفسه، إلا وهم شهود على حافة الانهيار التاريخي. وبذلك، لا يمكن إلا أن ننطلق من أن العرب ليسوا إقامة أنطولوجية في خيال أدبي، بل هم محكومون بأحد الخيارات، إما أنهم عرق أو أنهم تاريخ، أو أنهم دولة. وعندما سنحدد المنطلق الذي سنتحدث منه، سيتحدد جوهر الجواب.
أولاً، الحديث من داخل منطق التاريخ معناه أن نغير العرب من عرق إلى صيرورة، فالشعوب التي عاشت في جغرافيا العرب، وفي الامتداد الذي يسمى اليوم خارطة الدول العربية، هي ليست بالضرورة عربية عرقا، بل هي تعيش العروبة، كتاريخ الاستقلال عن الهيمنة العثمانية حديثاً، ثم الانتماء إلى تيار الحركات الوطنية الاستقلالية، بكل أنواعها، وهي، على مدى أبعد، ساهمت في صناعة التاريخ العربي الطويل، الثقافي والرمزي، اللامادي والمادي معا.
يلغي الحديث من داخل منطق التاريخ التلازم بين العرب العرق والعرب الكيان الجغرافي، فالمغرب الكبير جزء من التاريخ العربي، وأيضا من صناعه عرق آخر غير العرب، ولعل أكبر قوة دلالية يمكن أن نقدمها هنا أن من بين كبار المناضلين لأجل التاريخ العربي محمد بن عبد الكريم الخطابي، فهذا الريفي الأمازيغي كان رئيس مكتب المغرب العربي في القاهرة في الزمن الناصري، في أوج الزمن العروبي القومي، وهو الذي كان رمزا عالميا في حرب التحرير الشعبية، باعتباره أحد مؤسسيها وملهم كبار الثوار في العالم من ماتسي تونغ إلى غيفارا وهوشي منه. قبل بالتسمية التي لم يعد جزء كبير من ناشطي الحركة الأمازيغية يقبلون بها، أي المغرب العربي، وهي التسمية التي أنهاها الدستور المغربي الجديد الذي تم القبول به بنسبة عالية في يوليو/تموز 2011.
عندما يكون العرق العربي في سورية والعراق ولبنان شيعيا، ويتحدث من خارج منطق التاريخ لا يكون بالضرورة عربياً، بالمعنى الذي يعطيها، أي، أنه عندما يجتهد من داخل منطق التاريخ الإيراني فهو يكون انتماء إلى هذا التاريخ. قد يفضل المتعصبون اسم التاريخ الفارسي. ولكن، قد يكون ذلك افتتاح الدورة الطائفية أكثر منها افتتاح تاريخ مغاير، قد يكون معاكساً، لكنه ليس بالضرورة عدائيا.
ثانياً، لا معنى للحديث من داخل منطق الدولة العربية، اليوم، فهي لم توجد ولن توجد، هوية شمولية، أبداً، وقد جرّبت في التاريخ المعاصر أشكالاً غير موفقة، من قبيل العسكرتارية القومية والعلمانية العسكرية، بدون أفق تاريخي، ما أدى إلى انهيارها، وهي الآن تحاول تجريب الدولة الدينية، بمختلف البهارات الممكنة.
ولعل من المفارقات أن نجاح العرب كتاريخ لا يمكن أن يتم من دون التفكير من داخل منطق الدولة الوطنية الديمقراطية، كما لم نعرفها إلى حد الساعة، قد تسمح بالتكتل، لا بالانصهار وبالوحدة، بل بالتماهي على غرار الدولة الوطنية الديمقراطية في أوروبا.
ثالثاً، الحديث من داخل منطق العرق لن تكون الإفاضة فيه مجدية. والإفادة التي يقدمها التأرجح الشكسبيري لسؤال الكينونة هي أننا قد نميل إليه، شعورياً ولاشعوريا، لأنه تزامن، هو أيضاً، مع زمن الحروب الدينية، بحيث كان شكسبير أحد نتاجات تلك الحروب، ونحن اليوم في عز الحرب الدينية بكل تلاوينها في جغرافيا العرب، كما أنه عاش اللحظة التي تحول فيها الحاكم المزاجي إلى رئيس السلطة الدينية في إنجلترا الزمن البعيد.
وإذا كانت الشكسبيرية هي أيضا تاريخ الفرد، أولا، فإنه لدى العرب لا وجود له إلا زعيماً أوحد وفردياً، لا تعبيراً مناهضاً للكليانية، ومعبراً عن التعددية والقدرة الإنسانية في تفكيك دواليب الآلة القمعية



شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...