رحيل إيدير .. أو عندما يطوي الزمن الجميل للموسيقى الأمازيغية أيامه

الداخلة الراي /بقلم: يوسف وبعلي

تشاء الأقدار أن تسقط مرة أخرى إحدى أوراق شجرة الفن الأمازيغي، يتعلق الأمر بأحد رواد الموسيقى الأمازيغية الهادئة والذي يعد من بين الفنانين المتحمسين للتظاهرات الفنية المساندة للقضايا الإنسانية، إنه الفنان الأمازيغي الملتزم إيدير. رحل عنا إيدير من بوابة الحياة الخلفية دون صخب أو ضوضاء بعد أن أمضى على ظهرها 71 عاما زرع خلالها الفرح والمرح في نفوس معجبيه. لقد كان إيدير من الذين يملئون ما حولهم بالتفاؤل والأمل بشغبهم الجميل. ولذلك فإنه من الذين يستحقون البكاء عليهم عندما يسدلون الستار ويطفئون الأضواء ويغيبون بأجسادهم و إن كانت أرواحهم سوف تبقى مضيئة و تكون دائما مصدرا للنور الذي لا يغيب.
لم يكن حميد شريت ــ الذي يعرفه العالم بإسم إيديرــ، رغم تواضعه، فنانا عاديا، بل كان موسيقيا تفردت بصمته في العطاء للموسيقى الأمازيغية و التي ستبقى علامة خالدة تشيد بها الأجيال، كيف لا وهو صاحب الأغنيات الرومانسية والإيقاعية الجميلة، ذات الحس الثوري، التي حمل من خلالها ما يختزنه التراث الامازيغي من ذاكرة حضارية وتاريخية لشمال افريقيا إلى العالمية. و من  أهم روائعه نجد الأغنية الشهيرة ” أفافا إينوفا” المستوحاة من الموروث الثقافي الأمازيغي التي نشعر فيها بنغماته وهي تدغدغ الروح وتداعب القلب. وقد أُذيعت في 77 بلداً وتُرجمت إلى 15 لغة، وتناولت المعاناة اليومية لسكان منطقة القبائل، لتظل بذلك علامة بارزة في تاريخ الأغنية الأمازيغية منذ ما يقرب نصف قرن.
وعلى الرغم من شهرته بقي الفنان إيدير دائما مخلصا للبساطة والتواضع، فلم ينسق إلى أضواء الشهرة التي كثيرا ما تحرق أصحابها، إذ ظل مخلصا للفن الامازيغي الملتزم وعاش لهذا الفن، وكانت نفسه صافية تماما لأنه لم يكن يفكر في شيء غير الفن لذلك كان يعيش نشوة الفن و فرحه. وفوق ذلك كله كان إيدير يحب الثقافة الأمازيغية و يهضمها في سهولة و يسر حتى تتحول في جسمه الفني الى دماء نقية صافية، وعرف عنه حبه للسلام وتشجيعه لكل مبادرات السلم والإخاء، كما كان طوال مشواره، الذي دام أكثر من نصف قرن، سفيرا للفن الأمازيغي.
رحل عنا الفنان الكبير إيدير مساء يوم السبت 03 ماي 2020 في مستشفى فرنسي بباريس، بعد معاناة مع مرض عضال ألم به في الفترة الأخيرة. رحل عنا بعد مسيرة فنية طويلة قدم خلالها عصارة شبابه وإبداعاته الخالدة في خدمة الغناء و الموسيقى الأمازيغية، ومن بين أشهر أعمال هذا المدافع الشرس عن الفن والثقافة الأمازيغية، نذكر أيضاً: «ازواو سمندل أوراغ» و«اسندو».
ولد الفنان إيدير في قرية نائية بأعالي منطقة القبائل المعروفة بقرية آيت لحسن في 25 اكتوبر 1949، وتوجه إلى الموسيقى، برغم أنه كان يدرس الجيولوجيا. وقد ساعده أستاذه في العلوم الطبيعية على ولوج عالم الموسيقى والعزف منذ صغره و هو في التاسعة من عمره، ورغم اهتمامه بالدراسة إلا أن شغفه بالفن كان أقوى وفضل الغناء الذي بدأه في 1973 ومن ذلك الوقت و إيدير يحتضن القيثارة وتحتضنه.
 إختار إيدير العيش في باريس منذ بداية الثمانينات، ويعد من أبرز رموز الثقافة والأغنية الأمازيغية، إذ تبنى الدفاع عن القضية الأمازيغية، ورفض الغناء في الجزائر منذ عام 1979، بسبب موقفه من السلطة التي كان يعتبر أنها غير ديمقراطية و عنيفة وتقمع الثقافة الأمازيغية وترفض الإقرار بالحقوق الثقافية للأمازيغ.
قدم إيدير أغنيات تستلهم التراث الشعبي وترانيم الفلاحين وتهويدات الجدات للأطفال. وجاءت ألحانه شجية تنسجم مع إيقاعات المناطق التي ولد فيها بتيزي اوزو، لم يكن في أي مرحلة من حياته أو في أي عمل من أعماله يقبل الجمود او التقليد، بل كان يحرص على التجديد والإضافة والإبتكار وهو ما قاده للقيام في مشواره الفني الطويل بثنائيات مع فنانين كبار مثل شارل أزنافور، كما شارك في حفلات ضخمة مع نجوم الراي مثل الشاب خالد والشاب مامي.
يشار كذلك أن الفنان إيدير غنى في يناير من عام 2018 لأول مرة في الجزائر منذ30 سنة، وذلك بعدما اعترفت السلطات الجزائرية بالأمازيغية كلغة وطنية ورسمية في الدستور، عقب تعديلات فبراير 2016، حيث انتظم له حفل أسطوري وغير مسبوق في أكبر قاعة في الجزائر وأمام الآلاف من معجبيه، بمناسبة بداية السنة الأمازيغية، التي تبدأ في 12يناير من كل عام.
وإلى جانب الفن، كان للفنان ايدير اهتمامات كبيرة بالبيئة و الطبيعة و هذا ما جعله ينخرط في جمعية إيكول اكسون التي تسعى لإعادة الاعتبار للطبيعة و بالأخص حماية الغابات و تشجيع غرس الأشجار من طرف الأطفال.



شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...