الجهوية الموسعة … بقلم الدكتور الحبيب مني بئركندوز أوسرد

الداخلة الرأي : بقلم الدكتور الحبيب مني بئركندوز أوسرد

إن التفكير الموضوعي، أي الوطني، في المسألة الجهوية بالمغرب، يتطلب استحضار الغايات العليا التي يهدف إليها التدبير المجالي والسياسة الترابية بصفتها آليات ومداخل وأدوات مساعدة، لا باعتبارها غايات في حد ذاتها، ذلك أن تخطيط الجهوية الموسعة وتدبيرها المنصف والمجدي يتطلب وضع النموذج التنموي الديمقراطي بمختلف أبعاده ومساراته السياسية والثقافية والمجتمعية ضمن أفق نهجها وتقويمها.
ومن المؤكد أن التدابير الإدارية والتشريعية المأمولة لن تغادر مدار  الإجراءات الفجة، التي  سريعا ما ستنفضح هشاشتها المؤسساتية وإخفاقها الديمقراطي التنموي بكيفية سريعة، حين السعي للالتفاف أو التغاضي عن العمق التاريخي والمعطى المجتمعي والثقافي والواقع الملموس، وعن ضرورة خلق توازنات مجالية واقتصادية تراعي الخصوصية والتميز. والقصد من هذا أن معرفة المجال شرط ضروري لأي ممارسة تنموية صحيحة غايتها النهوض بكافة جهات الوطن. وبلغة أخرى، يلائم التفكير في الجهوية الموسعة والمتقدمة في ارتباط مع نماذج تنموية جهوية مبنية على معرفة عميقة بالمجالات الجهوية في كافة أبعادها الاقتصادية والمجتمعية والثقافية؛
ولا شك أن لهذا الموضوع حساسية عميقة ضمن السياق الراهن والمعاصر ، وضمن هذا السياقن يبدو مؤكدا أن مصلحة الوطن وضمان مستقبله الديمقراطي والتنموي يمر عبر المعالجة الجدية لموضوع الجهوية ب كامل الجرأة والمصدوقية، وذلك بتجاوز الشعارية اللفظية وعبر سن سياسة جهوية فعلية تمنح الجهات وضعية الحكم والتدبير الذاتي لشؤونها وتقرير مصيرها التنموي انطلاقا من إمكانياتها الاقتصادية وبناء على خصوصياتها الثقافية أساسا.
معنى ذلك أن البحث عن نموذج مغربي للجهوية الموسعة وصياغته في قوالب تنظيمية/إجرائية وأنساق مؤسساتية لن يستجيب للمطمح المجتمعي دون البحث عن أدوات وقائعية وميدانية للأجرأة والتفعيل، وتمكينه من تدابير مساعدة وإسنادية لتحقيق مجمل الأهداف والمرامي، فأكيد أن الجهوية الموسعة بأوصالها ومسعاها تتغيا استحداث نمط تسييري/تدبيري للجهة يقوم على معطى توزيع السلطة بين المركز والمؤسسات الجهوية بغية تكسير وتقويض كل مثالب السياسات التي تبنى من المركز أو ما يمكن أن يصطلح عليه بـ”التدبير عن بعد” والتي أثبتت عدم فعاليتها وأدت إلى إحداث العديد من الاختلالات والفوارق على مستويات التنمية الجهوية، وإحلال محلها “التدبير عن قرب” الذي يستجيب لمقدرات وفروض أي تنمية جهوية ويتناغم ويتكيف مع أي إكراهات أو موانع قد تحول دون بلوغ سقف الرهانات المحددة سلفا،  وبالتالي يجب التفكير مليا في إيجاد بنية علائقية ناظمة ومترابطة/متراصة بين الجهوية الموسعة وسياسة القرب، فالتجارب المقارنة أكدت تحت وقع التجريب والممارسة جدوائيتها وغائيتها وبرهنت بالملموس على أنها ثنائية تشكل معادلة من الصعب المحيد عنها في سياقات التفكير في أي تنمية جهوية بديلة بأبعادها الشمولية.
وحتى لا تظل المؤسسات الجهوية المنتخبة تعمل خارج الزمن الاجتماعي وفي انعزالية عن المواطن الذي يحتل محورية الرهان بالنسبة إلى الجهوية الموسعة، حيث تنطلق التنمية من المواطن ومن أجل المواطن، فإن وجوبية اعتماد سياسة القرب لا مناص منها لإعطاء الفعل الجهوي الدافعية والدعامات الأساسية للوصول إلى التطلعات التنموية المنشودة والمرجوة، بعيدا عن المنهجية البيروقراطية في عملية صنع القرار الجهوي وبمنأى عن ركام القواعد الإجرائية التعقيدية.
لاشك أن بناء أي إستراتيجية لتدبير الشأن الجهوي لن يتأتى دون التوظيف الجيد لمرتكزات سياسة القرب، لتكون جل مؤسسات اتخاذ القرار على المستوى الجهوي تشتغل عن قرب مع المواطنين، ويمكنها تشخيص وتحديد احتياجاتهم والاستجابة السريعة لمتطلباتهم في سياق تفاعلي ذي منحى إيجابي دائم.
وتعتبر سياسة القرب منهجية في التدبير العمومي تعتمد على المقاربة التشاركية، وذلك بهدف التغلب على إكراهات وعوائق التنمية. هدف لا يمكن تحققه إلا من خلال قيادات سياسية منتخبة قريبة من مواطنيها، الذي تحظى برضاهم عبر مشاركتهم ودعمهم.
تهتم التشاركية بتوفير فضاءات مختلفة للتشاور والاستشارة المباشرة التي تعرف نوعا من الانتظامية والديمومة تتيح للمواطنين الانخراط التام والإيجابي في بلورة السياسات التنموية عبر التتبع والمراقبة والمشاركة الفعلية لا الصورية؛ وترتكز هذه الضرورة التشاركية على وظيفة جديدة وسلطة مستجدة تمنح للمواطنين، إذ  تتأسس على مواطنة نشيطة ومكونة  وعلى  تشكيلة من المجتمع الحيوي في إمكانها التعبير عن كفاءات البحث عن الحلول لمشاكلهم واستقصائها، وبالتالي قيام نمط توزيعي جديد من سلطة اتخاذ القرار غير استئثاري على المستوى الجهوي يستوعب جل المؤسسات الفاعلة: المؤسسات الجهوية  وهيئات المجتمع المدني والقطاع الخاص…، عبر  ضمان تمثيلية متساوية ومتوازنة تنتهي  إلى إحداث توافقات بين الآراء والتعبير عن المواقف والتصورات، وهي كلها تفيد في نهاية المطاف بحوكمة الفعل الجهوي وتقنينه بما يخدم مصلحة المواطن . وهذه النماذج من الاستشارة تأخذ قوالب مختلفة من دولة إلى أخرى في إطار النظم المقارنة، ونسوق هنا على سبيل الذكر النموذج الأمثل، والذي شكل تجربة فريدة من نوعها، ونقصد بالتحديد مدينة بورتو أليغري بالبرازيل التي أبدعت الميزانية التشاركية القائمة على استشارات واسعة في إعداد الميزانية من أجل الوقوف على الحاجيات الحقيقية للمواطنين وذات الأولوية، وبالتالي اعتماد نموذج  الميزانية الجهوية التشاركية، وأيضا ما تقوم به المرافق العمومية في فرنسا من ضمان تمثيليات هيئات المجتمع المدني والتي تفضي إلى إحكام تطبيقات سياسة القرب في تلبية حاجيات المرتفقين.
ولعل من المفيد أن تتعزز الجهوية الموسعة بدعائم نسقية التواصل كمقاربة فعالة تأسيسية لبناءات تبادل المعلومات والتأثير الاعتمادي المتبادل الذي يؤول إلى تجسير الفجوة والهوة بين المؤسسات الجهوية والمواطنين، إذ ينتج عن وجود المعلومات وتوافرها وتدفقها وانسيابيتها في شكل مرتب ومنتظم، ترشيد وعقلنة الفعل الجهوي في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بمعنى تضافر بيئة معلوماتية تؤول إلى حسن تدبير الشأن الجهوي عكس نشوء الخصاص المعلوماتي الذي يفضي إلى الجنوح عن تحقيق الأهداف والغايات، وبالتالي أصبحت صناعة السياسات الجهوية ترتكز في أبعادها على سلك إستراتيجية في كيفيات الحصول على المعلومات واعتماد الطرق الحديثة في معالجتها وكفالة توظيفها بما يخدم صيرورة القرار الجهوي، وتثبيت مفعوليته، وذلك حتى باستثمار تكنولوجيا المعلوميات والاتصال، أي بمعنى “التمكين المعلومياتي للمؤسسات الجهوية”، وليس فقط بالاعتماد على المناهل التقليدية التي لم تعد تتلاءم مع متطلبات وتطور العصر، وبالتالي فالمؤسسات الجهوية أصبحت مدعوة إلى تعزيز بنياتها وأجهزتها وتكثيف نشاطها التواصلي لتكريس المقتضيات العملية لسياسة القرب، ولن يكتمل الفعل التمكيني المعلومياتي إلا بتكريس ثقافة التواصل حتى على مستوى النخب العاملة على المستوى الجهوي وتحذيرها وإمدادها بمختلف وسائل العمل التواصلي المادية والمعنوية، لكي تكتمل الصورة المرتضاة في إطار الربط بين الجهوية الموسعة وسياسة القرب، كقيمة ثابتة.
  وفي هذا الإطار، يمكن الإعلام الجهوي من التعريف بالنخب المحلية عبر إتاحة الفرصة لها في التعبير عن رؤيتها وتصورها لقضايا المجتمع. كما أن النخب المحلية تمكن الإعلام الجهوي من مصادر فعالة ومستدامة وذات خبرة في التعليق على الأحداث والتطورات ذات الطابع الجهوي، مما يساعد على تقريب المواطنين من معلومات مفصلة وصحيحة ينقلها ويشرحها خبراء وباحثون لهم ثقافة جهوية كافية لإعطاء قراءة مستلهمة من الخصوصيات والمقومات المحلية.
وارتباطا مع النقاشات الرسمية وغير الرسمية التي يعرفها الفضاء العمومي المغربي حول إعادة هيكلة بناء السلطة وفقا للمقاربة المجالية  في إطار ما أعلن عن جهوية موسعة ومتقدمة تعتمد على مبدأ تثمين المقومات المحلية الترابية والبشرية والقيمية، فإن الإعلام العمومي يشكل رافعة أساسية في تحقيقها واقعا.
                  ومن هذا المنطلق يظهر الدور الذي يمكن أن يلعبه الإعلام الجهوي من تجسيد لنظام جهوي مبني على مبادئ الديمقراطية المحلية التي تجعل من المواطنين القاعدة الأساس للتمثيل في المؤسسات المنتخبة المنبثقة جهويا، وبالتالي تمكين مختلف النخب السياسية والاقتصادية والاجتماعية جهويا من تحمل مسؤولياتها كاملة في مسلسل التنمية.
فتشكل التنمية، محصلة جهود النخب الجهوية وكذا الإعلام الجهوي في إطار سياسي ومؤسساتي تكفله الجهوية الموسعة والمتقدمة كنموذج في الحكم ينبني على مبدأ نقل السلطات من المركز إلى وحدات مجالية تتمتع بالشخصية المعنوية الكاملة، التي تجعل منها كيانا عاما قائم الذات مستقلا تمام الاستقلال في تدبير الشؤون وممارسة السيادة داخليا في مستوياتها السياسية، الاقتصادية…
وتبقى أيضا أحد المقومات الأساسية الموظفة والمعتمدة في سياسة القرب هي مسألة المقاربة الترابية التي يمكن أن تشكل المجال الحيوي لتجسيد وتكريس تطبيقات الجهوية الموسعة، فهناك علاقة تكاملية بين الجهوية كسياسة والتراب كمجال خاضع لها، لأن منطقها، وطريقهما وهدفهما واحد، لذلك فإن التحول من السياسة الجهوية في بعدها الإداري الصرف إلى سياسة جهوية موسعة/متقدمة، يجب أن يستند بالدرجة الأولى إلى اعتماد مبادئ الحكامة الترابية، لأنها أكدت فعاليتها في سياسة معالجة الاختلالات ومحاربة التفاوتات في خلق جهوية متطورة من خلال تبني إستراتيجية وطنية للخروج بمشروع وطني للجهوية الموسعة يستند إلى مقاربة تجعل من الجهة مجالا تنمويا للتكامل والتضامن الترابيين.  وهي مقاربة تعمل على تجسيد التباعد بين السياسات العمومية وتجسيداتها على المستوى الجهوي، نظرا إلى ما لسياسة القرب من إجرائية في تنفيذها ومتابعتها وتقويمها كما أن المقاربة الترابية هي الأسلوب الناجع والقمين بتمكين المؤسسات الجهوية من عوامل التكيف مع متغيرات محيطها وتحديد سلم الأولويات بالنسبة إلى حاجيات المواطنين في الجهات.
وعلى الرغم مما تتيمز به المقاربة الترابية في بناءاتها من مركزية التخطيط وتكون ذات أهداف عامة وذات بعد وطني تحت متطلب تحقيق نوع من التكامل والتضامن بين مختلف الجهات وتحقيق توازنات مجالية/ترابية فإنها لا تكون فعالة إلا من خلال إقرار مبادئ سياسة القرب ومنهجية التدبير التشاركي كمرجعية محورية لإعداد السياسات العامة والقطاعية، وإنجاز مختلف التصاميم والبرامج المديرية على المستوى الجهوي، وفق آليات وأدوات تمنح المواطنين كل منافذ المشاركة والإشراك.



شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...