مواقع التواصل الاجتماعي والتعليم عن بعد.. بقلم الدكتور مني الحبيب “بئر كندوز اوسرد”

الداخلة الرأي / الدكتور مني الحبيب (بئر كندوز اوسرد)

تعد شبكات التواصل الاجتماعي ضمن أدوات الجيل الثاني من الويب التي أحدثت العديد من التغييرات في جميع مستويات الحياة ، كما لم تعد استخداماتها مقتصر على الاتصال و التواصل بين الأفراد، بل تجاوزت ذلك لما صارت تستخدم في المؤسسات التربوية و الجامعات كوسيلة تعليمية فعالة و كآلية للتواصل بين الفاعلين في العملية التعليمية ( أستاذ/ متعلم أو تلميذ أو طالب )، مما أضفى على هذه العملية طابعا تفاعليا و حيويا من طبعة مغايرة للمألوف .
إن الانتشار الواسع لشبكات التواصل الاجتماعي و تزايد عدد مستخدميها عبر العالم (ما يناهز ثلاثة ملايير نسمة)، جعل المختصين في الحقل التربوي التعليمي يعيدون النظر في طرائق التعليم بما يتماشى مع التقدم العلمي والتكنولوجي لمجتمع المعلومات، بعدما أصبحت الأساليب التقليدية للتعليم لا تواكب هذا المجتمع الذي يعتبر الحاسوب و شبكة الانترنت و مواقع التواصل الاجتماعي من الأدوات الرئيسية و الفاعلة له ، و من جهة أخرى التفكير في كيفية استغلال الخصائص التي تتميز بها شبكات التواصل الاجتماعي من سهولة و مجانية الاستخدام، و كسر حواجز الزمان و المكان، علاوة على خاصية التفاعلية، هذا دون الحديث عن الخدمات التي تقدمها لفائدة العملية التعليمية .
و بذلك صارت منصات مواقع التواصل الاجتماعي تستعمل راهنا في تطوير العملية التعليمية، الأمر الذي جعل الفاعلين في الحقل التربوي يعتبرون التعليم عبرها من أهم أنواع التعليم عن بعد لما لها من أثر واضح على فاعلية العملية التعليمية،
ومن هذا المنطلق، انبثقت فكرة تجربة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي كوسيلة جديدة في العملية التعليمية مع التلاميذ والطلبة، باعتبار أن هذا الموقع واحدا من أهم مواقع التشبيك الاجتماعي استعمالا عبر العالم. و في ضوء ما تقدم تتمحور الإشكالية في الاستفهام عن مدى نجاح تجربة استخدام الفايسبوك كوسيلة تعليمية؟ وتشمل هذه الإشكالية مجالا استفهاميا عريضا قوامه الأسئلة الآتية: ما أهمية استخدام الشبكات الاجتماعية في العملية التعليمية؟ المقصود بالوسائل و التقنيات التعليمية جميع الأدوات و الأجهزة التي تستخدم في تبسيط وتوضيح العملية التعليمية وصولا إلى تحقيق الأهداف المنشودة منها سواء للمعلم أو المتعلم. و هي فوق ذلك المواد و الأجهزة و المواقف التعليمية التي يستخدمها المعلم في مجال الاتصال التعليمي بطريقة و نظام خاص لتوضيح فكرة أو تفسير مفهوم غامض أو شرح أحد الموضوعات بغرض تحقيق التلميذ لأهداف سلوكية محددة. و للوسائل و التقنيات التعليمية أنواع منها : المطبوعة ( مثل: الكتاب المدرسي، الصحف و المجلات) و الوسائل و التقنيات التعليمية المرئية الثابتة و المتحركة (مثل: الصور والرسومات، الأفلام التعليمية ) والسمعية (مثل : الإذاعة، و الإذاعة المدرسية(
و في هذا السياق، يمكن تحديد أثر استخدام الانترنت كأحد أدوات و أشكال التعليم الالكتروني في العملية التعليمية في الأمور الآتية: تكامل المعرفة و اتساع نطاقها؛ استدامة اكتساب المعرفة؛ تنمية المهارات الذهنية؛ إضفاء الطابع الشخصي؛ تنمية ملكة الحكم على الأمور. تنمية الشعور بالمسؤولية الفردية.
و على صعيد آخر أقدمت العديد من المؤسسات التربوية و الجامعية في مختلف دول العالم على بث دروس على شبكة الانترنت لفائدة التلاميذ و الطلاب وتضاعف هذا الاستعمال في سياق جائحة كوفيد 19.
و يمكن القول إن شبكة الانترنت تعد ثمرة التقدم العلمي والتكنولوجي لثورة المعلومات، بل و من التقنيات التكنولوجية التي ميزت هذا العصر و أحدثت القدر الأكبر من التأثير و التغيير و ذلك في مختلف مستويات الحياة، و منها المجال التعليمي ، وأسهمت إسهاما إيجابيا أكيدا في العملية التعليمية بطريقة فعالة .
ولا شك أن القفزة النوعية التي عرفتها تكنولوجيا المعلومات و الاتصالات و ظهور تقنية الويب والتنامي المتسارع لعدد مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي في العالم ،جعل الفاعلين في مضمار التربوية والتعليم بمستوياته يؤكدون على ضرورة الاستغلال الامثل لهذه التكنولوجيا عامة و شبكات التواصل الاجتماعي خاصة في سبيل خدمة التعليم و تطويره. و ترجع أهمية استخدام شبكات التواصل الاجتماعي في العملية التعليمية بالجامعات خاصة إلى أن ما يقرب من 90 % من طلاب التعليم الجامعي يقضون معظم وقتهم على هذه المواقع.
كما أن التعليم عبر شبكات التواصل الاجتماعي يعمل على تحقيق التواصل بين عناصر عملية التعليم و التعلم من خلال الدعم المجتمعى التشاركى حول موضوع التعلم بدرجة عالية من الديناميكية و التفاعلية من خلال نظاما يوفر بيئة تعليمية لا تتقيد بمكان محدد أو وقت معين.
يتميز التعلم عن طريق شبكات التواصل بدرجة عالية من المرونة تيسر ممارسته على مستوى رسمي أو غير رسمي، ففي الوضع الرسمي تقوم منظمة تعليمية بتسهيل وتوصيل التعليم الذي يتم خلال شبكات اتصال بصورة معترف بها، أما في الوضع غير الرسمي فالأشخاص يدخلون على الشبكات التعليمية التي تلقي اهتمامهم بهدف التعلم أثناء العمل أو بأهداف إجراء البحوث و توائم الإشارة إلى أن التعلم عن طريق شبكات التواصل يقدم لمؤسسات التعليم كفاءة أداء أفضل إذ يتيح إدارة المنهاج بدقة عن طريق إدارة مركزية، و في حالة التعليم المهني يمكن أن تخفض التكاليف للعاملين في المدارس المهنية و كذلك للطلاب؛ ومن جهة أخرى، إن النظر إلى التعلم عن طريق شبكات التواصل من وجهة نظر مؤسساتية يغمط حق هذا النهج من التعليم في دوره الفعال كوسيلة تعليم غير رسمية من الممكن تكييفها وفق الظروف المناسبة. في حين يرى البعض أن الشبكات الاجتماعية ساعدت في حل مشكلة تربوية تمثلت في افتقاد التعليم الالكتروني للجانب الإنساني
( تعليم جامد) ،حيث أضافت الشكل الإنساني من خلال مشاركة و تفاعل العنصر البشري بالعملية التعليمية ، مما ساعد على جذب المتعلمين و زيادة الرغبة في التعلم. و قد أثبتت لعض الدراسات في الصين فاعلية تجربة إدخال شبكات التواصل الاجتماعي في النظام التعليمي، و في هذا الصدد يقول سيمان تشيونغ في كتابه: التعليم الهجين: ( إن لهذه الشبكات قدرة كبيرة في إيصال المعلومات إلى ذهن المتلقي بكل سهولة و تلقائية، و إنني أدعو جميع مؤسساتنا التعليمية إلى التوسع في هذه التجربة، و تدقيق النظر في جوانبها النفسية و العملية، فهذا من شأنه إزالة الإحساس بالاغتراب الذي قد ينتاب بعض الطلاب داخل قاعات الدروس، و سيمكن من تجاوز الحواجز التي تفصل أحيانا بين الطلاب و المؤسسات التربوية التي ينتمون إليها، و إن كنا في ذات الوقت لا ندعو إلى التجاوز المُطلق للطابع الرسمي لسير الدروس، بل يتم ذلك بطريقة متوازنة تضمن الاستقرار داخل المؤسسات التعليمية ومما لا ريب فيه أن شبكات التواصل الاجتماعي كان لها قدر كبير من التأثير و التغيير على عديد المستويات: سياسية واقتصادية واعلامية ومجتمعية و ثقافية تعليمية، كما أن التزايد المطرد لمستعمليها عبر العالم جعلها تستخدم لأغراض أخرى غير التي عرفت عنها و منها مجال التعليم، الذي يجب أن يستفيد على غرار بقية المجالات من تجربة شبكات التواصل الاجتماعي التي تشكل أكبر تطور يجري في عالم اليوم و أكبر مجتمع افتراضي يوازي المجتمع الواقعي، إذ يمكن أن تتحول هذه الشبكات من وسيلة للتعارف و تكوين الصداقات إلى أهم أداة تعليمية لطلبة جيل الانترنت الذين يمكن أن نطلق عليهم اسم الكائنات الرقمية.
و برغم أهمية استخدام مواقع التواصل الاجتماعي في تفعيل العملية التعليمية عن بعد ،إلا أن هذه التجربة تبقى محصورة بدول و مجتمعات معينة تجاوزت مرحلة الولوج الى مجتمع المعرفة والمعلومات، دون غيرها من الدول بما فيها معظم دول العالم العربي التي مازالت تحاول جاهدة إرساء البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات و الاتصال، و من ثم الانتقال الى مجتمع المعرفة والمعلومات.



شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...